12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بماذا يهمسون؟

ما يتناثر من كلمات هنا وهناك ويتناهى إلى سمعك بعضها، هو المرآة التي يقف بعضنا أمامها ليقيم عمله ويكتشف مدى نجاحه وكيفية التخطيط المستقبلي له، فيعيد ترتيب أوراقه وحساباته ومواقفه بناءً على ما يرضي المحيط به، بغض النظر عن عدم قناعته ببعض مواقفهم وكلماتهم التي تأخذ طابع المجاملة الزائدة أو المجنبة له استعداء الآخرين، وهي - بالطبع - أبعد ما تكون عن توصيف الواقع.

والتساؤل المهم يتعلق بتحديد موقفنا واتجاهنا من تقييم وكلام الناس حولنا، فهل نغض الطرف عنه وكأننا لم نسمع شيئًا أم نضعه بعين الاعتبار والتقدير، فيكون معيارًا يحدد خطواتنا وقراراتنا المستقبلية؟

هنا لابد من الإشارة إلى المنطق المرضي، وهو البعد عن الإفراط أو التفريط، والتوجه نحو الاعتدال والموازنة، فلا اللا مبالاة والضرب بعرض الحائط والإعراض صفحًا عن كل ما يقال نسرح باتجاهها، فنرى أنفسنا أكبر من كلمات لا تعود علينا إلا بكسر أجنحة الطموح والتشويش على أفكارنا، مما يجعلنا نعتد بأنفسنا فوق اللازم ونهمل أمرًا حيويًا يفيدنا وهو الإنصات لعقل الآخر، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم وثقافتهم، إذ تضافر الأفكار وتلاقحها يولد صورة متماسكة وبنية قوية لتلك القضية أو الخطوة.
ولا التفريط كذلك بالأمر المقبول، والذي يعني إرهاف السمع لكل كلمة، وجعلها فيصلًا في خطانا وإن كانت سطحية أو لا تمت بصلة للمنطقية، وهذا ما يعني أن نعيش حالة من الإرهاق الفكري والتعاجز العملي عن الإقدام على أي خطوة لم تلق الترحيب أو المقبولية في وسط من سمعها، فنتخلى عن طموحاتنا بسهولة لمجرد كلمة تعاطت بسلبية معها.

ما يهمس به الغير ليس على درجة واحدة من الموثوقية أو القيمة له، كما أنه عند البعض ليس بأكثر من رمي حجر في بركة ماء راكد يريد منها خلق تموجات من الأخذ والنقاش المفضي لتسقيط البعض، أو هو معاناة من الشعور بالنقص يريد منه تبديد أي نجاح وتفوق يكشف ضعفه، مع ملاحظة أن البعض لا يتحدث بمهنية وموضوعية، فكلامه مجرد تسجيل موقف أو تفاعل خاوٍ عن أي فائدة ملموسة.

المتابعة لكل ما يقال وإبداء الاهتمام بها سيفقدنا أهم عوامل القوة والنجاح وهو الثقة بالنفس، إذ ستشكل المخاوف من معارضة أو تخطئة الغير لنا مانعًا لنا من التقدم ولو لخطوة واحدة، وسنفقد التركيز على قدراتنا وتعزيز حضورها في آمالنا وأهدافنا.

لنجعل كلام الغير كمؤشر نستفيد مما نقتنع به، وما نتشاور فيه مع الأصدقاء المقربين الذين نثق بتقييمهم وحرفية ما يقدمونه لنا من مشورات وتوجيهات وتنبيهات على تقصير أو خطأ ما ولسنا ملزمين بكل ما يقال وتصديقه، بل لتكن عندنا من الهمة ما يكشف للآخرين خطأ استنقاصهم لقدراتنا ويخيب توقعات البعض التشاؤمية.

والخلاصة أن القرار النهائي بيدنا وعلينا تحمل مسئولية خطانا، وتقييم الآخرين لنا نأخذ منه ما يتميز بالواقعية والمنطقية، بل وعلينا الاستعانة بأهل الخبرات وإن لم تتفق آراؤهم معنا، ولنثق بأنفسنا بنحو الاعتدال، مفسحين المجال لتشكيل خبراتنا من دروس الحياة والنصائح التي نثق بها.


error: المحتوي محمي