12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

زيت الكرامة

يمشي الناسُ في اتجاهِ قبلةِ من أحبوا، من لم يستطع المشيَ بقدمه سارت روحهُ مع السائرينَ وكلهم يقصدونَ مصدرَ الضياءِ الذي أوقدتهُ الأنبياءُ من بقيةِ زيتِ كرامةِ السماء، ولا ينتهي مشيهم إلا إذا صافحوا قنديلَ الكرامةِ وقالوا له شكرًا أيها السيد الحسين، لو لم تعطِ نفسك لم نكن عرفنا معنى العزةَ والرفعةَ والكرامةَ والإباء.

من يجادل العاشقَ كم يطول الطريق وهل في السير والتعب لذة، كالذي يجادل الفراشَ لم يسقط في النار، ومن يجادل العطشانَ لمَ يسير في طريق النبع ويموت قبل أن يصل. في سني الصغير لم أدرك لمَ كان والدي وأصدقاؤه البحارةُ ينطلقونَ إلى البحرِ ويعودونَ من نفسِ المكان المشع على الشاطئِ إلا بعد ما كبرت وعرفتُ أنَّ البحرَ أكبر جزءٍ في الدنيا وعندما تكون فيه لا بد لكَ من علامةٍ تعود إليها لتعرف أينَ أنت، كذلك حاجة الناس إلى من يدلهم الطريق فلو كانت كل الأمكنة وكل الناس سواء تاه كل البحارةِ وتاه كل الناس.

يذكر التاريخُ أن رجلًا لا يبصر كان معه رجلٌ آخر قبلَ أكثر من ألفٍ وثلاثمائة سنة رأيَا ضوءَ القنديلِ وشدتهما رائحةُ الدمِ الزكي الذي سالَ على الأرض وصارَ وردًا أرجوانيًا، غسلا جسديهما من تعبِ الطريق في ترعةِ الفراتِ التي لم يستطع السيد أن يشربَ الماءَ منها قبل أن تُشرع في وجهه السيوفُ والرماح، أسرعا إلى القبرِ الذي يقول لمن يقترب منه: أنا هنا تعال و شمنيْ، انحنيا أمامَ الجلالِ ونادوهُ مراتٍ وأبنوهُ في كلمات! من بعدِ ذاكَ اليوم لم تستطع الليالي والأيام أن تنسي المؤمنينَ الطريقَ نحو القبر. كان القبر صغيرًا وصار في حجم الدنيا يزوره المؤمنونَ من كل مكان.

لا يجب أن يكونَ مشي العاشق واجبًا عليه حتى لا ينتفي العشق ولا يجب أن يكون فيه جزاء سوى ذاك الذي يأتي عندما تختلط أنفاسُ العاشقين تحت ضوءِ القمر الذي لا يسترهم. لك المجدُ والخلود أيها السيد الحسين، جاءت إليك أرواحُ المؤمنين منهكةً موجوعةً ترجوكَ أن تصليَ من أجلها وأن تبقى تسير إليك في قدميها العاريتين تستهزئ وتسخر من تعبها وآلامها، هلا صليتَ من أجلها!


error: المحتوي محمي