مرحى لكم أيها المتسولون!
ليسَ من يطلب المالَ من العبادِ أكثرَ فقراً وتسولاً وحاجةً من ذاكَ الذي يتسول ربَّ العباد. من يطلب من الناسِ يزدادَ ذلاً وحياءً ومن يطلب من اللهِ يزداد فخراً، يرى الخالقَ في كل شيء ويطلب منه كُلَّ شيء. يسيرُ في الدنيا لا يرى سوى الله، يستهويهِ الشيطانُ قليلاً ويعده بالغنى ولكنه يعود متسولاً. يقفُ أمامَ المرآةِ يرى نفسهُ فقيراً مسكيناً ودَّ لو أن في عينهِ ماءً يكفي ليطفئَ شعلةَ الفقرِ والحاجةِ الملتهبة في قلبهِ وروحه وجسده.
يستعطف المتسولُ ربه في كلماتِ الجمالِ والتمامِ المحض ويصف نفسه في كلماتِ النقصِ والحاجةِ المحض، فقيرٌ، بائسٌ، مسكين، مستكين! أصغر صغائره كبارٌ، يسأل نفسه كُلَّ يومٍ ماذا سوفَ يفعل به الجمالُ واللطفُ المحض حينما يستدعيه إليه؟ هل يحجب عنه جماله كما يحجب الناسُ عطاياهم عمن يسألهم، حجبُ الجمالِ ليسَ أهون من العقاب. بالأمسِ كانَ قادراً على أن يعصيكَ وعصاكَ ولم تعاقبه واليومَ ليسَ قادراً على أن يعصيكَ، جاءكَ روحاً دون جسدٍ فقد تعرى كما تتعرى كائناتُ الخريف.
متسولٌ أعطيته جناحينِ طارَ بهما في جمالِ حدائقك ظاناً أنهُ أفلتَ من شباكِ الصائد واليومَ جاءَ يحمل وردةً ذابلةً في يدهِ ليسَ عنده إلا دموعاً سخيةً أن تقبلَ منه الوردةَ الذابلة. متسولٌ لا يستحق ولا يرقى فهمهُ إلى لغةِ وفلسفةِ الأنبياءِ والأولياءِ أو الصوفية يقدم عرائضَ الحاجةِ لك أيها القوة المطلقة ويصطف على بابكَ مثلما يصطف الناسُ على أبوابِ الملوك والأمراء يقولون اشعارهم ويصفون ضعف أحوالهم ويمدون أيديهم رجاء أن يملأها الفيض، ماذا أنت صانعٌ به؟
متسولٌ ملَّ المسيرَ في أزقةِ الرغباتِ جاءَ في جنح الليل يستقصي خطاياه ويعدها واحدةً واحدة لكنه غابَ عن ذاكرته الفارغة كثيرٌ منها ونسيَ طعم لذاتها كلها، تعبَ من الأسفارِ واستقر به السيرُ إلى حماك، هل في حماك غير الراحة و الأمان؟
من يطلب الهدايا من الملوك يقدم لهم القريضَ والمدائح والمتسول يخاطب الملكَ المطلق بلهجةٍ غريبة "أعطني"، لو خاطب فيها غيره قال من هذا الصعلوك وطرده عن بابه! لا شيءَ أسمى من لغةِ الفقير. كل كلامٍ جميل عندما يدرك المتسولُ قزامتهُ وترتدي كلماتهُ ثيابَ السذاجةِ والبساطة. نحنُ أقزامٌ ينظرون إلى العظمة ويتسولون منها كل حين يفرحون بعطاياها مثل الأعمى الذي أبصر للتو أو الأخرسَ الذي استطاعَ الكلام والكسيحَ الذي صار يعدو، هلا أعطيتنا بقدركَ يا رب وليس بقدر تفاهةِ كلماتنا؟
هل بإمكان البشرِ إلا بما علمتهم أن يدركوا الحقيقةَ والكنهَ حتى يستطيعَ متسولٌ منهم أن يصفكَ في خطابه كما تشاء وليس كما يشاء! لا ضررَ أيها المتسولونَ قولوا ما تشاءونَ في صغركم وفي عظمةِ الحقيقةِ المطلقة.



