بطريقي وأنا أتجه لمكان درسي تطرق سمعي جملة السلام "السلام عليكم" رفعت رأسي لألتفت لمصدر الصوت لأرى في طريقي عامل نظافة يلبس بزته المشرقة بلونها البرتقالي والذي كان يمارس عمله الصباحي في التنظيف، وأخالني توقفت هنيئة لأني توقعت أن يكون وراء السلام طلب لكنه كان قد ألقى سلامه علي وهو يهم بإنهاء عمله وهو يجمع الأوساخ داخل "كرتونه" فواصلت وجهتي ولا أتوقع سماعه لرد سلامه لتفاجئي منه، لكنه نجح في إعطائي الدرس الذي علق بذهني طول الطريق.
فليس من الضروري أن ينحصر السلام بطلب بعده وليس من الضروري أن تنحصر الدروس التي نتعلمها من بطون الكتب أو من مدارس الحوزات العلمية لأن بعض المواقف بالشارع قد تهدينا دروس مجانية لا يُنسى شارحها الذي بالغالب يكون صامت بدون سبورة وبروجكتر ووسائل متطورة بالتعليم.
نحن نعلم أن ديننا الحنيف يحثنا على أفشاء السلام فهاهو رسول الله (ص) يقول : "اولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام".
وذا أمير المؤمنين (ع) يقول: "السلام سبعون حسنة تسع وستون للمبتدي وواحدة للراد " (مشكاة الأنوار للطبرسي)
وحفيده الباقر (ع)كان يقول : "أفشوا سلام الله فإن سلام الله لاينال الظالمين".
وقال أيضًا : "ان المؤمنين إذا التقيا فتصافحا ، أدخل الله تعالى يده بين أيديهما، وأقبل على أشدهما حبًا لصاحبه ، فإذا أقبل الله تعالى بوجهه عليهما، تحاتت عنهما الذنوب كما تتحاتت الورق من الشجر"
وعن الامام الصادق (ع): "من قال سلام عليكم فهي عشر حسنات ومن قال سلام عليكم ورحمة الله فهي عشرون حسنة، ومن قال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاثون" (مشكاة الأنوار للطبرسي)
وسأل سائل الإمام الصادق (ع) عن النساء كيف يسلّمن إذا دخلن على القوم،قال: المرأة تقول عليكم السلام والرجل يقول السلام عليكم " (مشكاة الأنوار للطبرسي)
وعنهم (عليهم السلام): " إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه ، لا يقول سلّمت فلم يردوا علي ولعله قد يكون قد سلّم ولم يُسمعهم وإذا رد أحدكم فليجهر برده، لا يقول المسلّم سلّمت فلم يردو علي .. "(مشكاة الأنوار للطبرسي)
وغيرها من الروايات المروية والمستفيضة بفضيلة السلام وكيفيته للراكبين والقاعدين والأكثرية والأقلية والصغار والكبار وغيرها والتي يفترض أن يكون السلام رمز وعلامة ووسام لمن اتخدوا دين الأسلام ديانة ومنهاج .
لكن للأسف موقف اليوم أعادني لمشهد آخر قد جرى تصويره وتوثيقه في أحد الأيام ويا ليته لم يصور لأنه كان يثبت الخيبة في بني الأسلام أمام تعاملهم مع الأفراد الأجانب مثل العمال من الجنسية الهندية.
فكان مضمون المشهد الواقعي أن أحدهم أراد أختبار بني أسلامه وجاء بعامل بأحد الكورنيشات وأجلسه على أحد المقاعد وكان هو من يصور خفية ليرى من يقوم بالسلام على هذا العامل ، وكان قد خطط المصور لأهداء جائزة قيمة لمن يبدأ بالسلام عليه وكانت الجائزة رحلة لبريطانيا ، لكن للأسف الخيبة رافقت العامل طوال النهار وهو جالس ينتظر المسلم الموعود لكن لم يبتدأ أحد بالسلام عليه ليثبت له أن الأسلام لايفرق بين أجنبي وعربي بالسلام .
المفارقة المؤلمة أن نرى تواضع العمال بسلامهم وليست لديهم أي عنصرية بالتفريق بأن الشخص من نفس جنسيته أم لا، ويعرفه أم له،أم كونه صديق أم بعيد .
لهذا قد نرى بعض المواقف المخزية حين يسلم شخص على مجموعة لأنه يعرفهم بينما يتجاهل فرد أو مجموعة كان بجانبهم فقط لانه لا يعرفهم فلا يستحقوا إكمال مسيرة السلام عليهم وجني الحسنات من مصافحة إيديهم أو حتى بلفظة سلام شاملة، ولا أظن في هذا مبالغة ، فأنا أرى في مجالس العزاء قد تكتفي أحدهن بالسلام وتعزية من تعرف وتترك الباقي دون سلام ومواساة!!
للأسف لازلنا نرى أخلاق الإسلام بغير المسلمين ، ونرى المسلمين بدون أخلاق الأسلام ورسول الأسلام لازال يصدح بصوته "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فهل يسمعوه؟



