12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لا داعي لحياتي !

خبر لافت للنظر يتعلق بتعيين رئيسة وزراء بريطانيا لوزيرة يتعلق عملها بمنع حالات الانتحار المتزايدة.

وهذه صرخة عالية وجهد منظم يعمل على وضع تصور شامل لهذه الظاهرة المتزايدة، والبحث عن العوامل الداعية لها، فالإنسان السوي تحركه غريزة حب البقاء ودفع أي مكروه يلحق بها ولو كان بسيطًا، فكيف يمكن للإنسان أن يتخلى عن فكره الواعي وحبه للحياة، فيتخلى عن كل ذلك ويقدم على إنهاء حياته بعد فقده للأمل بغد أفضل؟

من البديهيات أن الشخص الذي يقدم على الانتحار لا يقدم على هذا الفعل وهو يعيش حياة مستقرة ويشعر بالسعادة وراحة البال فيها وإلا لما أقدم على ذلك، نعم قد يخفى على من حوله الحالة النفسية السيئة وشعوره باليأس وفقدان لذة العيش، بسبب ما يقوم به من عمل أو دراسة وتواجده الاجتماعي والأسري بالحد المتدني من القبول، فيفسرون صمته المطبق وكلماته القليلة الملأى بالتشاؤم والسوداوية والمخاوف من المجهول، بالطبيعة التي يتميز بها أو افتقاده لأسس الذكاء الاجتماعي، ولعدم وجود خلفية وثقافة نفسية واجتماعية عند من حوله، يخفى عليهم تأثير الظروف الصعبة وما يعانيه من أوضاع اقتصادية متردية أو صدمة عاطفة قوية تلقي بظلالها الثقيلة على نفسيته، فتقبع تلك الأزمة كشبح يطارده وينغص عليه حياته، ويدع ملذات الحياة وتتقطع علاقاته ويميل إلى الوحدة استيحاشًا من الناس، وتغلب عليه الهواجس حتى يصل إلى مرحلة يرى وجوده عذابًا لا يطاق لابد من التخلص منه.

هذه العوارض الاكتئابية تحتاج إلى معالجة تخرجه من حالة الضيق النفسي، وهذا مما يسهل التعامل معه في بداياته وقبل أن يستفحل ويسيطر عليه، ونشر ثقافة التعامل النفسي والاجتماعي مع الشخص المأزوم أمر مهم على مستوى الأسرة والمحيط الاجتماعي، وهذا ما يلقي مسؤولية كبرى على المراكز الاجتماعية ومعاهد البحوث والدراسات؛ لتقدم خلاصات ودورات معرفية تقي المجتمع من أضرار فادحة بخسارة كفاءات كان لها أن تسهم في عملية التنمية المجتمعية، ولكن الضعف النفسي عنده أودى بحياته من خلال تفكير سوداوي دعاه للتخلص من آلامه النفسية المبرحة باللجوء إلى الانتحار.

المنتحر شخص فقد بوصلة التفكير المتزن وسيطر عليه الوهم، وهذا ما يفسر تقدمه بخطى ثابتة وبدون أدنى ارتباك نحو الانتحار، وتيقنه من استحالة تخلصه من الآلام ما دام حيًا، ولا يمكنه الانتقام من آلامه إلا بتوجيه طعنة نافذة له، فعندما يلقي بنفسه فهو لا يرى حينها إلا القضاء على عدو وهمي، وحبه لبهجة الحياة المانعة من تعريض المرء نفسه لأي سوء قد أفقدته الأزمات مذاقها ومج زينتها من فمه.

ساد تفكيره الوهم المسيطر على كيانه بأنه عاجز عن مواجهة أزماته، بسبب الوضع الاقتصادي المتردي وإثقال جيبه بالديون، أو حالات الإخفاق المتتالي بين مواطن متعددة في حياته، وغيرها من ضغوط الحياة الصعبة.

الدعم النفسي وتركيز الثقة بالنفس والفضفضة عن مشاكله والقناعة بلا مقارنات ومواجهة المشاكل، كلها تمثل ركائز وقاية تجنبنا حالات فقد مؤلم لأناس خارت قواهم أمام موجات عنيفة للأزمات الصادمة.


error: المحتوي محمي