12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بؤساء تشرين

يحتار الغنيُّ ماذا يأكل ويحتار الفقيرُ ماذا يأكل! ينظر الغني للأصنافَ التي تحويها مائدته ويسأل: أيها أشهى طعامٍ وأيها يطيلُ عمري وأيها لا يجعلني أمشي منتفخَ البطن؟ لا أريد أن تبدو كرشتي أكثرَ بروزاً من صدري المنتفخ بالكبرياء. ثم يحتار الفقيرُ ماذا يأكل! ليسَ هناك خياراتٌ كثيرة في لا شيء. يحتار أينَ وكيفَ يجد الطعام وأيها يكفي وأيها أقل قيمة.

لا يفوت الغني أن يخترعَ يومًا للغداءِ العالمي في السادسِ عشر من تشرينِ الأول يحتفل فيه، ويكفر عن خطاياه ويتذكر الفقيرَ في قرشٍ أو اثنين. لا يحس بسخطِ الضمير فهو لم يخترع الفقرَ ولم يسرق قوتَ غيره. بلى، أيظن الناسُ أن اللهَ الرازق خلق أناسًا ولم يخلق لهم ما يكفيهم؟ لم يحتر الفقير أينَ يجد الأكلَ حين كان يملكُ الأرضَ والماء، يزرع ما يأكل ويحيك ما يلبس وعندما يأتي الليلُ ينامَ في انتظارِ الغدِ دونَ الخوفِ من الجوع.

جاءت المدنية واستولى الأغنياءُ على كُلِّ الحياةِ حتى الأكل. ما يرمونَ من موائدهم يكفي كُلَّ الفقراء والبائسين وفي ذاتِ الوقتِ ينظر الغنيُ إلى نحافةِ أجسامِ الفقراء ويقول: يا الله! انظر كم هم أصحاءَ قانعونَ بما يحصلونَ عليه من القوت، كمْ تمنيتُ أني صحيحًا ورشيقًا مثلهم. إن أعطيتهم سوف يكونونَ بدناءَ مثل الأغنياء. لا، ليسوا قانعينَ وليسوا أصحاء. إنهم لا يجدونَ الأكلَ الدسمَ ولو وجدوهُ لما تركوه.

في كُلِّ يوم يقتل الأكلُ الفقراءَ والأغنياءَ بطرقٍ مختلفة، هل هي عدالةٌ مهداةٌ من السماء قبل يوم الحساب؟ الأغنياءُ ينفقونَ المالَ على أكلهم وأكلِ حيواناتهم المدللة ولا يجد الفقراءُ أكثرَ من دريهماتٍ لا تكفي أكلَ يومٍ واحد ويبقى السؤال: متى يأتي ذلك اليومُ الذي ينام فيه كل الناسِ شبعى دونَ خوفٍ من الجوع ويجلس الفقيرُ مع الغني على خوانٍ واحد؟

لك اللهُ أيها المسكين، يوم غدٍ استيقظ باكرًا ونُطَّ في الهواء فرحًا، أخرج قيثارةَ الألمِ من الجوع واجلس تحتَ ظِلِّ شجرةٍ في شمس تشرين أنت وعيالك في انتظارِ مائدةِ الأغنياء التي لن ترى إلا خيالها، أو قف أمامَ المرآة وقل: أنا غني، لا أحتاج يومًا، اجعلوا لكم يومًا أنتم أيها الأغنياء. سر في شوارعِ القرية سوف يأتيك الرزقُ أو تجدَ كتفًا مثلك تعاني ألمَ الجوع تستند إليها.
عدالة السماء تأتي إذ يموتُ كل الناس، من ملك كُلَّ الأشياء ومن لم يملك شيئًا!

أيها الأغنياء أعطوا الفقراءَ أولًا ثم صلوا من أجلهم واختاروا أيامًا للغداءِ متى ما شئتم.


error: المحتوي محمي