13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

داست أقدامنا أرضَ المدرسة بُعيد منتصفِ الستينيات من القرنِ الماضي ولم يكن حينها روضاتُ أطفال أو فصول تمهيدية قبل الانضمامِ إلى المدرسة مما أثقلَ على الطالبِ التكيف مع الخروج من المنزل وأنْ يكون فردًا من مئاتِ الصغار في بناءٍ مساحته لا تتجاوز مئاتِ الأمتار يضم في الصفِّ الواحد مختلفِ الأعمار، من الطلاب الصغار والذين كانوا أكبر َمن البقية حين أُدخلوا المدرسة.

شيءٌ من النظام الصارم وقتها ربما أضر أو نفع، تبقى مسألةً قال فيها المربون مثلما قال مالك في الخمر. ينتصف النهار ويطرق البابَ رجلٌ في الثلاثينياتِ من عمره يضع كوفيته على كتفه يسأل: من غاب اليوم؟ يسارع الطلاب لحفل الانتقام ويصرخون بأسماءَ من غاب وهو يدون الأسماء. يستدعيك الناظرُ في اليومِ التالي وتحت الطاولة قضيبٌ من الخيزران، أسئلةٌ قليلة عن سبب الغياب ثم يأتي الطلب: اجلس على الكرسي ومد رجلك. واحدةٌ، اثنتان، ثم ثلاث وإن كنت من قليلي الغياب أو المتميزين في الدروسِ قل العدد قليلًا، تأتي الصف وتجلس وأنت مألوم لكن ليس للبكاءِ مكان، فالمدرسةُ للكبار!

تحضر حصة الرسم ويطلب المدرس كراسةَ رسمٍ خاصة وأقلام تلوين. أنا كنت من المحظوظين ولم يتوفر لي في العادة المال الكافي لشراءِ ما يطلبه الأستاذ. يسأل الأستاذ عن السبب وكنت أقول: الحصة القادمة سوفَ أحضرها ولكن تبقى العصا هي الخيار الناجع في إيلام يدي. مشهد يتكرر في حصةِ الحساب والعلوم والدين، يسأل الأستاذ عمن لم ينجز الفرض المنزلي؟ لا بد أن يكون هناك الكثير منكم أيها الصغار الأشقياء! يصطفون خلف البعض، واحدٌ يعد العصي والبقية ينالونها. شرفٌ لم أحظ بالحصول عليه كثيرًا.

يشرح الأستاذ الدرس ثم يسأل بعضَ الطلابِ عما قال. من يجب يقال له شاطر ومن لا يجيب يطلب منه الأستاذ البقاء واقفًا ثم تأتيه واحدةٌ، اثنتان، أو ثلاث. من يرجو من الطلاب الخروج لقضاءِ الحاجة كان الأستاذ يطلب منه السكوت والانتظار حتى إن بعض الطلاب يستبق الحدثَ ويقضي حاجته في الصف أمام البقية.

تستفيق المدرسة على حاجةِ الطلاب ويطوف الأستاذ بورقةٍ وقلم يسأل بصوتٍ يملأه الفخر: من الفقير الذي يحتاج مساعدة؟ لم يملك كثيرٌ من الصغارِ المال ولكنهم كانوا يملكونَ المعرفةَ أن السؤال ذل ولو أين الطريق، كلهم يصمتون.

ما كانت الدنيا كلها سوداء، المدرسة البيت الصغير الذي رآه خيالنا في مساحة الحقول والأستاذ الرحيم الذي يسأل أباكَ عنك إن غبت أو يربت على كتفيك عندما تجيب أو يخبر أساتذة المدرسة المتوسطة بأن طالبًا متميزًا قادمٌ إليهم. كان هذا مع شح الإمكانيات والتقنيات. نفترش الأرض عندما لا يكون هناك ما نجلس عليه ولا مكان للرفاهية في قاموس مقصف المدرسة أو دوراتها الصحية ولم يثقل علينا شح الهواء البارد في الصيف.

ليس الغرض التقييمَ التربوي فكل جيلٍ زخرَ وفخر بمبدعيهْ ولكن يبقى شيء من ذكرى الألمِ الذي ربما صح فيه "ما لا يقتلك يجعلك أقوى" ويبقى المدرس والمربي الغريب الذي يبحث عن الإنسان الجوهرة التي يقول: أنا جليتها في الصف.

أيها الطالبُ المتبرم من المدرسة أو الجامعة، هل تبادلني في السنين وأعود طالبًا صغيرًا يختبئ تحت المقاعدِ مرةً أخرى وأنت شيخ شجرته قريبةٌ من الأرض؟


error: المحتوي محمي