تنظر الزرازيرُ في المرآةِ العاكسةِ للأجسام، تنفخُ ريشَ جناحها وتنكشهُ بمنقارها وتصيح أنا كبيرةٌ، أنا بازي. يكتمل الداءُ حينما تطير الزرازيرُ مع البزاةِ ظانةً نفسها إحداهم ولكنهم يفرحونَ بالصيدِ السهل، أتتكَ بمغرورٍ جناحاه! أما الإنسان فيسكر ويفقد عقله في الخمرِ والمالِ والحبِّ والسُلطة وكل مطارح الأرض، من وضعَ نفسه في غير موضعها لا يلومنَّ إلا نفسه!
المنخل اليشكري "عمر بن مسعود"، شاعرٌ قتيلُ شعره لم يتجاوز الثالثةَ والعشرين. كان ينخل الشعرَ نخلًا ولكن الشعرَ نخلهُ عندما طارَ مع الملوك، قال:
إن كنتِ عاذلتي فسيري
نحو العراقِ ولا تحـوري
وهدر في سهولِ الشعر حتى قال:
ولقد دخلتُ على الفتاةِ
الخدرَ في اليومِ المطيرِ
فـدفـعـتـها فتدافـعـت
مشيَ القطاةِ إلى الغديرِ
ولثـمـتـها فـتـنـفـسـتْ
كتنفسِ الظبيِ الـبـهـيـرِ
فـدنت وقالـت: يـا منخل
ما بجسـمـكَ مـن حـرورِ
ما شفِّ جسمي غير حبكِ
فـاهـدئي عني وسيـري
وأُحـبـهـا وتـحـبـنــــي
ويـحـب نـاقـتـها بعيري
فإذا انـتـشـيـتُ فإنـنـي
ربُّ الخـورنـقِ والسـديرِ
وإذا صـحـوتُ فـإنـنــي
ربُّ الـشويـهـةِ والبعـيرِ
كان ينادمُ النعمانَ بن المنذر؛ أشهرَ ملوكِ المناذرة قبل الإسلام، وعندما يملأ بخارُ الخمرِ رأسهُ يأخذه خياله بعيدًا ويرى نفسهُ النعمان الملكَ الذي يسكن قصرَ الخورنق والسدير وبعدما تزول مرآةُ الخمر يعود لحجمهِ الذي ليس سوى بدوي لا يملك إلا شاةً وبعير. عشقت المتجردةُ "هند" زوجةُ النعمان المنخل وكانت جميلةً للغاية وعشقت أبياته هذه التي قالها فيها، فجاءَ النعمانُ يومًا في غيرِ موعدِ عودته فوجدَ المتجردةَ والمنخل وقد قيدت رجلها برجلهِ من شدةِ عشقها له، فأخذه النعمانُ فسلمه لصاحبِ عذابه وكان يدعى «عكب» وهو رجلٌ من لخم، فعذبه حتى مات، وقيل قتله وضربت به العربُ المثلَ في الغائبِ الذي لا يُرجى إيابه، يقولون: لا أفعله حتى يؤوبَ المنخل.
حتى الموت يفرق بين الزرزور والبازي، ماتَ صاحبُ الشويهةِ والبعير ولم يبكهِ أحدٌ وماتَ النعمانُ ويَحكي خيالُ الأدبِ العربي أن شقائقَ بريةً حمراءَ جميلةً نبتت على قبرهِ عندما داسته الفيلةُ إذ رفضَ الخضوعَ لملك الفرسِ بتسليمِ نساءِ العرب قبيل معركة ذي قار وبعدها صارت "شقائقُ النعمان"!
نطيرُ في مسارحِ الحياةِ مثل الفراشِ قربَ مرايا النارِ المخفية التي تخونُ الناظر، كبارٌ في أنفسنا ولا نشعر بها إلا حين تصدمنا نارُ الحقيقة ونحترق: مدح شخصٌ حاكمًا بأبياتِ ابن هانئ الأندلسي:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ
فاحكُمْ فأنتَ الواحدُ القهّارُ
فتمايل الحاكمُ طربًا ولكن ذبابةً سقطت فوقَ طربوشه، أطارهَا وسقطت عليه مرةً أخرى. أخطأها وأصابَ الطربوشَ وسقط هو والطربوش على الأرضِ وإذا بقارئ يقرأ القرآن: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
كلنا بزاةٌ وكلنا زرازير وكلنا ضعفاء، طالبٌ ومطلوب.



