12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حكاياتُ الخريف

يأتي الخريفُ وتتنهد فيه الأرضُ طالبةً الحريةَ والانعتاقَ من فصلِ الصيفِ القابضِ على روحها وجسدها. كُلُّ العوالمِ تنشدُ الحريةَ كيفما ترى وتشاء. أنا وأنتَ لابدَّ أن نلمع أحذيتنا استعدادًا للحركةِ والأمل أن يأتيَ الشتاءُ ونكون نحنُ والكانون والمطر والبرد أصدقاء وعاشقين ولو برهةً من الزمانِ قبل أن يعودَ الصيفُ مرةً أخرى.

أشياءٌ وأفعالٌ صغيرة نقومُ بها في حياتنا تأتي لنا بشيءٍ من الغبطةِ والمسرات فإن كنتَ في عمري ووهبكَ الربُّ أحفادًا فاركض معهم وخلفهم. نظن نحنُ الكبار أن الصغارَ فقط يكونون سعداءَ عندما نجري خلفهم ولكنَّ الحقيقةَ هي أننا نحنُ الذينَ نصبح أكثرَ سعادةً منهم. تكمن المعضلةُ في حليماتِ التذوقِ عند الكبارِ حين يكون الأكل أقلَّ طراوةً وحلاوةً مع الزمن وساعات السعادة يصيبها الصدأُ والفتور.

علينا أن نسرقَ من الزمنِ ما استطعنا من الثواني والدقائق لتجديد أجسامنا وعقولنا وأرواحنا في الوحدةِ وفي الطبيعة والتفكر في الإنسانِ والمخلوقاتِ والعالمِ الذي نمشي فيه عوضًا عن عبوديةِ الآلةِ والجماد مع أن الخريف يأتي عندنا أقلَّ جمالًا وزهوًا من الكثيرِ من بلدانِ العالم الذي تصطبغ فيه الأرضُ بألوانِ البديعِ من أوراقِ الأشجارِ واعتدالِ الحرارة حاثًا الإنسانَ على الانبعاثِ والحركة وتأتي فيهِ تباشيرُ البردِ والشتاء. تحملُ فصولُ السنةِ كثيرًا من أسرارِ طباعِ البشر أينما كانوا في الجفافِ الذي يشبه الصحراءَ أو الليونةَ والرطوبة التي تشبه ماءَ البحرِ أو الصلابةَ في الجبالِ والمنحدرات.

تدعونا أجسامنا كُلَّ ساعةٍ إلى الدعةِ والراحة دونَ أن ندركَ أنَّ الإنسانَ آلةٌ مخلوقةٌ من حركةِ الجسمِ والروح والعقل وعليه ألا يستكين. يأتي يومٌ نُغلب فيه، تموتُ وتنامُ أجسادنا وعقولنا بقوةِ الرب ولكن حتى يأتيَ ذلكَ اليوم علينا أن نكونَ مثلَ النحلةِ في الربيعِ مشغولينَ بالحياةِ والكونِ والفكر في الصانعِ والمصنوع. جمالُ وسحرُ الحياةِ ينادينا ألا نسجنَ أرواحنا وعقولنا في هياكلِ أجسادنا بل نطلقها في الطيرانِ والفكر مثلَ النسورِ دونَ قيودٍ متى ما جادت الدنيا علينا بثوانٍ بين كسبِ العيشِ وما تطلبه الحياةُ وبين مراوغة سهامها.

نموتُ عندما ينتهي الرقمُ المكتوبُ في اللوحِ وليس بعده ولكن لنا أن نرجو من الربِّ أن نبقى أصحاءَ حتى ينتهيَ الرقم. يجب علينا أن نخادعَ أجسامنا عندما نمرض وجعلها تظن أننا أصحاءَ وأرواحنا سعيدةً عندما تظن نحن أشقياء، ليس أغبى من أجسادِ البشرِ التي تصدق ما يعتقده العقل فيها! من الخيباتِ أنَّ الناسَ لا يستطيعون أن يحلموا بالمالِ ويصبحونَ على صررٍ من التبرِ والذهبِ الخالصِ على أعتابِ أبوابهم، يبقى ذلك شيئًا يحلمونَ به عندَ سكونِ الجسدِ في أعماقِ الليلِ والنوم.


error: المحتوي محمي