12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

المنبر ومشاكلنا

يواجه المجتمع كثيرًا من المشاكل والظواهر السلبية في جميع مناحي الحياة، وهذه التحديات تحتاج إلى مراكز ومؤسسات بحثية تدرسها وتقدم لها تفسيرات وحلولًا، وتجاهلها وإعراض الصفح عنها والتعتيم الإعلامي عليها بالتأكيد سيكون له مردوداته السلبية، إذ أن انتشارها سيعصف ببنية الفرد وكيانه ويدخله في متاهات تستنزف طاقته وقواه، وأولى الخطوات العلاجية هي إعطاء الفضاء الإعلامي والمنابر وأصوات الباحثين والنخب الثقافية دورًا في تسليط الضوء عليها ورفع الصوت عاليًا للتنادي حول دراستها، فهل يمكن للمنبر الحسيني - وهو الذي يشكل تجمعًا جماهيريًا كبيرًا - أن يمثل دورًا فاعلًا ومساهمًا في تناول هذه الأزمات الثقافية والاجتماعية والبنيوية؟ أم أن دوره يقتصر على تسليط الضوء على النهضة الحسينية وما أحاط بها من ظروف وتداعيات ومخرجات قيمية؛ وذلك لئلا تعوم واقعة الطف وتصبح هدفًا هامشيًا يتلاشى ذكره أو يضعف مع كرور الأيام، ليتحول المنبر لأداة ثقافية محضة؟!

تختلف وجهات النظر المتبنية للمنبر الحسيني والمتفقة على أهمية دوره المعطاء والفعال في توجيه المستمعين، وتزويدهم بثقافة قرآنية وعقائدية وأخلاقية عريضة من خلال المحاضرات التنويرية، فهناك من لا يرى مبررًا لتوسعة التوجه للمنبر ليطال قضايا لا صلة له بها مباشرة، وهناك من القنوات والمراكز التي تتبناها وتقدم حلولًا ودراسات تخصصية، والأولى بالخطيب الاقتصار على تبيان وتقديم واقعة الطف بأبهى صورة خطابية و وجدانية.

ولكن المنبر الحسيني الفعال والمساهم في حياة الناس وتوجيهها بالقيم والأفكار، لا ينبغي أن يغفل عن العلوم المتنوعة وتوسيع البحث والمحاضرة الحسينية لتمتينها وتقويتها، فالعلوم الإنسانية تعطي أي مفهوم قرآني أو عقائدي أو قضية تاريخية توضيحًا وتفسيرًا أشمل، وتناولها لا يعني أن تطغى الصبغة الثقافية البحتة لتهمل النهضة الحسينية ببعديها الفكري والوجداني، ولكنها تكون جزءًا مما يتناوله الخطيب بما يعكس الأهداف والقيم الحسينية، والاستحضار التاريخي لها بما يسلط الضوء ويقارن بين الماضي والحاضر في عرض مثمر يفصح عن السنن الكونية والطرق الانحرافية التي سلكتها الأمم الماضية، وبالتأكيد أن الخطيب المتمكن والممتلك لثقافة واسعة في مختلف العلوم سيقدم ثقافة عاشورائية تبقي النهضة الحسينية حية وخالدة في الفكر والوجدان والضمير الإنساني.

وهذا الاستعراض لمختلف المشاكل المهمة ما هو إلا تسليط للضوء ومرور إجمالي موجز يضعها في عهدة النخب والمختصين لعقد الدورات المختصة بها، وتقديم دراسات محكمة تتعلق بأسبابها وعوامل نشوئها وتداعياتها وأهم العلاجات الممكنة لها.

ويطرح البعض تساؤلًا يتعلق بدور المنبر الحسيني في معالجة الظواهر السلبية والتحديات، فيرى أنه غير فعال في طريق المعالجات واستهداف الأخطار التي تهدد مستقبل أبنائنا، وهذا طرح يغفل تلك المحاضرات والبحوث المطروحة على المنبر الحسيني بنحو مكثف وفعال، وأما مسألة المعالجات الجذرية فهذا مما لا يتسنى ترقبه من أوقات محدودة أمام الخطيب، والذي عليه أن يختار من كل بستان معرفي وردة حكمية ومنطقية تنير الفكر وتوقظ الضمير، وقصارى المتاح أمامه هو استعراض سريع ومن ثم إيكال البحث التفصيلي والتكميلي للمؤسسات التربوية والاجتماعية والمراكز البحثية؛ ليتكامل ويتآزر الدور العلاجي بعد إثارتها والاهتمام بها.


error: المحتوي محمي