إن مناسبة عاشوراء وهي تقام كل عام، ليست المناسبة الوحيدة التي درج الموالون على مداومة تعاهدها، بل إن الحسين (عليه السلام) صار وظل وسيبقى حاضرًا في القلوب والعقول والمجالس والدور، لأن الحسين في يقين المؤمن هو الحاجة الأولى لمسيرة حياته ولزاد أخراه، والتي لا يمكن لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) الاستغناء عنها، وهو في الأساس أي الحسين لبُّ العقيدة والدين، وهو حاجاته ومشاعره وكينونته وإنسانيته وإيمانه، ولنقل باختصار إنه دينه ودنياه وآخرته، الذي يلتمس منه السير على دروب التقوى واتباع أوامر الله واجتناب نواهيه - سبحانه وتعالى.
وهذا ما جعل الإنسان الموالي نموذجًا صارخًا للأخلاق الحميدة الصرفة في مختلف مناحيها، حيث إن المنبر الحسيني كان ولايزال له الدور الأول في تنشئته التنشئة الحياتية القومية، فضلًا عن كونه صراط معارفه الدينية ومسالكه الحياتية، مما كان له الأثر البالغ لأن يصبح مضربًا للأمثال والمثل من مختلف الأطياف الأخرى.
الموالي والمتبع لأهل البيت (عليهم السلام) في تعاملاته يضع نصب عينيه واجبات ونواهي المعاملات الشرعية مع الواقع الذي يعيشه، فضلًا عن تطبيقها تجاه نفسه، فما يقوم به ليس مجاملة لأحد، ولا خوفًا من جهة معينة للحفاظ على نفسه أو وظيفته أو مكانته، بل هي جبلته التي اكتسبها أولًا بالترببة ثم بالمحاكاة، ثم بالاتباع الوجوبي للدين فيما أمر به الله (عز وجل) ونهى عنه، ورغَّـب فيه أو أزهده؛ ولهذا فإن السواد الأعظم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لا يتصرفون من دون معايير إنسانية ودينية صرفة، مهما كانت حالاتهم، ولا يمكن التأثير عليهم سلبًا للعدول عما هم عليه إلا من شذَّ منهم وندر، لأن ما بنوا عليه سلوكهم العام والخاص، ودرجوا عليه تأصيلًا وتقوية وارتباطًا، وأدوه فرضًا، وتعاملوا به واجبًا ومستحبًا لمن الصعب الانعتاق منه وتركه أو التخلي عنه، وذلك لا يستقيم وهو يجري مجرى الدم في العروق، وتنبت عليه الأجسام والعقول والقلوب وتتمازج معه المشاعر والأحاسيس والوجدان.
إننا بنظرة واحدة ونحن نعيش عاشوراء الحسين نرى هذه النماذج الواضحة عيانًا بيانًا أمام أعين الناس ففي هذه المناسبة تبرز جلية تلك القيم التي درج عليها الموالون من الجنسين لتتفاعل في تعاطيهم اليومي أثناء هذه المناسبة الجليلة، ولنأخذ الأمثلة فيما نراه أولًا من المآتم من تقديم الصغير للكبير في التعامل سواء في مجلسه أو مساعدته أو خدمته، ولننظر كذلك للتنظيم والانسيابية للمعزين من الجنسين، وهم يتنقلون بين أماكن العزاء دون مزاحمة وتسابق، والتفاسح فيما بينهم بهدوء وروية رغم الكثافة النوعية في معظم المجالس العزائية، بل والإيثار أيضًا وتقديم الآخر على النفس، وهو الواضح بين غالبية المتواجدين. ثم لننظر للهدوء الكبير والواضح الذي يعم الأماكن احترامًا للمناسبة، والتي يضعون نصب أعينهم عدم خدش أيامها بما يخالف احترامها وصاحبها (عليه السلام).
إن التعاون التلقائي الذي نراه وهو يتجسد مشكلًا خلية نحل بنيت بطواعية وعفوية ما هو سوى المثل الأجمل الذي نراه في كل حياة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) سواء على المستوى الشخصي أو العائلي أو الفئوي أو الجمعي المطلق، والمناسبات الخاصة والعامة تشهد بذلك؛ فالشهامة والنخوة والتضحية والتسابق على الخدمة الفردية والجمعية يجعل من تنفيذ المطالب الفورية أو المعتادة أمرًا سهلًا سلسًا مهما بلغ حجمه وطال وقته وزادت احتياجاته دون تعطيل للمصالح الخاصة والعامة، فهذا النموذج من التعاون الذي نراه، والروح الأسرية التي تتشكل تلقائيًا خاصة في المثل العاشورائي هو ثمرة من ثمار عطاء هذه المناسبة الشريفة التي تثبت لنا في كل آن وحين ما يعجز المرء عن وصفه، ومن يريد أن يشاهد ويرى بأم عينيه فليحضر ويرى ما يجري من تفاعل لا يصدق، وفي كل مناطق الشيعة ونخص منطقتنا بالذات ليتأكد أن أتباع آل البيت (عليهم السلام) متصلون بأئمتهم اتصال الاتِّباع، متأصلون بتربيتهم وأخلاقهم ونهجهم، ومنفذون لتعاليمهم وإرشاداتهم، والتي تأسست واكتسبت وتجسدت على أفضل صورة وأتم نهج رسمه وخطه الأئمة الطاهرون وسار عليه شيعتهم الكرام بلا مشابه أو منافس.. والحمد لله على هذه النعمة التي أتمها الله وأنعم بكمالها علينا في الدين والدنيا حمدًا كثيرًا دائمًا أبدًا.



