الأولى:
أتابع بحرص ما ينشره فضيلة الشيخ عبدالعظيم الشيخ - حفظه الله تعالى وسدده - من فرائده الهنيئة وبحوثه المتنوعة الرفيعة، وعلومه اللافتة المختلفة التي تغطي تقريبًا جميع اهتمامات المؤمن الموالي بمختلف الأعمار.
والشيخ - حفظه الله - يحرص غالبًا على تغطية أغلب ما يدور في ذهن السائل عن المسائل الفقيه المبتلى بها من خلال ما يصله من أسئلة، كما ويغطي الأحداث المهمة ويعلق عليها مؤيدًا أو مخالفًا محذرًا.
ويحرص الشيخ الكريم أيضًا على إضفاء روح الفكاهة على بعض ما يرسل، كما ويضمن رسائله بعض المشاركات التي تصله من الشعراء أو الكتاب من أهل بلدته القديح أو القطيف عامة، وهو يضع بعض إنتاجه الشخصي الشيق على تنوعه واختلافه، كما لا يغفل بين فترة وأخرى عن توجيه السؤال للمشاركين في رسالته الجماعية بأن يستفسر عما إذا كان أحدهم منزعجًا من الرسائل حتى يزيل اسمه من القائمة.
الحقيقة أنني لا أستطيع أن أفصل الكثير مما يتفضل الشيخ - حفظه الله - بطرحه، ولكن للأمانة أقول: إن رسائله هي من الأهمية بمكان بحيث نقترح عليه وضعها في كتاب، ولا أخاله لن يفعل، كما أتمنى ممن لا يعلم برسائل الشيخ أبو علي أن يطلب منه ضم اسمه، فهذه الرسائل هي ضالة بعض الذين يتحرجون من السؤال مباشرة، بل ربما هم غافلون عن ذلك، أو لا يعرفون كيفية توجيه السؤال، خاصة في المسائل الشرعية.
الثانية:
نعم أقول ذلك وأجزم بأن الكثير منا وأنا أولهم لدينا من الأخطاء الخطيرة، سواء الشرعية منها أو الفقهية أو ربما العقائدية والتي تحرمنا للأسف من قبول العمل، ونحن لا نعلم بذلك، ونظن في المقابل أننا قد قمنا بالواجب خير قيام.. وربما يكون هناك ما هو أخطر.. حين الالتباس في بعض الأمور العقائدية، والتي تنزلق بنا إلى هاوية سحيقة حال التفكير فيها أو القراءة عنها دون تبصر أو معرفة وعلم.
لقد تعودنا أن نسأل فقط حال الابتلاء بمسألة شرعية سواء في الصلاة أو الحج أو الصيام، أو عما يطرق النساء من ابتلاءات، ولا نأخذ القضية على أنها مسألة جدية تتطلب منا التفقه في الدين والمراجعة بين فترة وأخرى لأننا في امتحانات يومية في كل أعمالنا، وحركاتنا وسكناتنا وسلوكنا، فليست القضية فقط فيما أوجبه الله، ولكن في كل ما نقوم به فيما وضعه الله وأمر به، وبما بلغ به رسوله وأولياءه المنتجبين، سواء في النواميس الإلهية، أو الدساتير والسنن النبوية، فلا يوجد تصرف لبني البشر إلّا وكان له حكم وتوجيه سواء بالوجوب أو الحرمة أو ما عدا ذلك.
إننا للأسف في غفلة، أو ربما في قناعة جاهلة تشي بأن ما نقوم به هو الصحيح ولا خلاف فيه، ونحن ويا للأسف لا نجيد حتى قراءة سورة الفاتحة، واسأل الحجاج والمعتمرين عن ذلك صغيرًا وكبيرًا ليخبروك بالحقيقة المرة.
علينا مراجعة أنفسنا جديًا لنتيقن تمامًا أن ما نقوم به هو عين الصواب، وإلّا سقطت أعمالنا كلها، وهي المترابطة أصلًا مع بعضها، من أول الحياة وحتى يوم الوفاة، وسلام على أولئك النفر القليل الملتزمين بحضور البحوث الفقهية والعقائدية في المساجد، وهم الوجوه التي لا تتغير، ولا تزيد سوى على استحياء، كما أنهم يحرصون أيضًا على حصانة دينهم ومذهبهم من مدرسة أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) من خلال منابره، وخاصة وهم يجلسون في أيامه العشر والتي هي قمة العطاء وعصارة الجهود التي يبذلها الخطباء الأفاضل ليفيضوا على المؤمنين مما أفاض الله (عز وجل) عليهم.
الثالثة:
ونحن إذ ذكرنا العشر الحسينية نسترجع ما يحدث كل عام وما سوف يحدث، فندُق ناقوس الحذر من أولئك الذين لا يزالون يحاولون المساس بجوهر القضية، والدخول لها من خرم اليأس والمحال، والتي لا تجدي ولن تجدي نفعًا، فهذه القضية لم تكنْ لكي تطمس، ولم تحيا لكي تموت، ولم تنتصر ليأتي من يحاول إيقاع الهزيمة بها بعد ألف سنة ويزيد، وقد أضحت راسخة مع توالي الأزمان، متفرعة في الأمكنة والإمكان، ومن إباء إلى إباء، ومن اتساع إلى اتساع في رقعة الإخلاص والولاء.
الحسين أحرص مني ومنك يا أخي على نقاء ملحمته المباركة وصفائها، وهو الذي يقيِّـم ما يراه صالحًا أو مفسدًا لها وفيها.. وربما يخرج من يقول: إن هذا الكلام ما هو سوى هرطقات لا تستقيم مع المطلب الأساس، وهو تحديث سيرة الحسين، وتحسين ما يطرحه الحسين (عليه السلام) على منبره، ونحن نقول: ليقل ذلك الأخ ما يقول، لكننا بالمقابل نقبل ونؤمن بما يريد الحسين توظيفه وتثبيته وقوله على منبره المبارك، منبر العلم والمعارف والرشاد، الذي تستضيء منه وبه القلوب والعقول والأبصار، هذا المنبر الذي تخرج من تحته أفذاذ العلماء والمراجع الكرام الذين حفظوا الدين والمذهب، ولم تستطع مئات التيارات بل ربما الآلاف أن تنال من مدرسة الحسين وقبلها مدرسة جده وأبيه وأخيه وأبنائهم من بعده (عليهم السلام)، بل إن كل تلك التيارات خبت وتوارت وتلاشت، وبقيت مدارس آل بيت رسول الله ترفع رايات الدين على اختلاف فروعه وأصوله ومشاربه المختلفة.. وكما قالت زينب الكبرى (عليها السلام): "فكِدْ كَيْدكَ واسْعَ سَعْيَكَ وناصِبْ جُهْدَكَ، فواللهِ لا تَمحْو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا".



