نحن مسوِّفون ومُفـرِّطون.. مقصرون أيما تقصير في حق ربنا وحق أنفسنا..
نعم.. مسوِّفون في الوقت، وكأننا سوف نعيش الدهر كله، وسندرك الفوت مهما بعد، ونعيد عجلة الزمان لنعمل ما أضعنا عمله وفعله.
مفرِّطون فيما منحنا الله جلَّ ثناؤه من ثمرٍ ما علينا سوى جنيه، ولكننا نتركه ليضمر ويذبل في شجره ويتساقط وقد عدمته الفائدة.
مقصرون قبل ذلك في حقه وواجباته التي فرضها علينا، وإن قمنا بها فعلى عجلة من أمرنا واستحياء وتكلف بكيفما اتفق.. غافلون عما نحن عنه مسؤولون مسائلون، وجاهلون بالحقيقة التي سوف نراها رأي العين حين نقرأ كتبنا فنراها خاوية بلا عمل يشفع لنا عنده سبحان وتعالى.
وإن كنا غير هذا وذاك، فنحن متجاهلِون لما نعلم وكأننا لا نعلم بما علينا فعله من واجب، أو اكتسابه من مستحب، أو اجتنابه مما حرمه وكرهه الرّب، وتلك هي المصيبة التي ستأخذنا إلى ما لا نطيقُ ونحتمل.
فيا ترى: إلى أين نحن نأخذ أنفسنا؟ وفي أي طريق نسير؟
لنتمعن تمعنًا قليلًا لنرى التقصير رؤية الشمس، تجاه من أمرنا بالقليل من الواجبات، ووعدنا قبال ذلك بالمضاعف من الحسنات والمثوبات، وله المنة والفضل، فمن هو ذلك الذي يكلفك بأمر هو في عهدتك أصلًا، ثم يكافئك عليه، ويدخلك مداخل الرحمة والرضوان؟ ثم لنتعمق أكثر لنتعجب فعلًا من هذا الرب الكريم الرؤوف العطوف، حين بسط لنا ما شاء من الموائد، لنأخذ منها ما يكسبنا الفوائد والعوائد، بجهد لا يتعدى القيام والقعود، والترديد والترتيل باللسان، واليقين بالوجدان.
فرش لنا المستحبات، وأرشدنا لاتباع حسن الصفات، مرغبًا في الحسنات، ومنفرًا من الموبقات، ونحن لاهون في الدنيا، عابثون بهذه السنين القصار التي لا تتعدى طول بعض لحظات من نهار عند الملك الجبار.
والغريب أيما غرابة؛ أننا نرى الأبواب مفتحة أمامنا، لندخلها بلا مقابل، ونأخذ مما حواه داخلها بلا أجر، فلا نأبه، ولا نهتم، فهذه دور العبادة مفتوحة، ومنابر الهدي والرشاد منصوبة، وطرق الخير سالكة، وموارد العطاء موفورة، ونحن كأننا لا نرى ولا نكترث، وسبحان الله، نقضي هذه الحياة لاهين ضائعين، بين صروفها المتعبة، وإغراءاتها الكاذبة، وأحلامها الجاذبة تحملنا الأسفار إلى غير مواطن الأنوار، وتنقلنا السماء والبرور والبحار إلى دون ما يرتضيه الله من ثمار، ونتنقل بين مواطن الالتهاء، والبيوتات الجوفاء، بلا فائدة مرجوة سوى تسلل الأيام والسنين، وانقضاء الأعمار، دون أن نجني ليومٍ نحن مطالبون فيه بحمل الزاد حتى لا نظل جائعين غدًا في حياة لا انقضاء لها أبدًا.
وا خجلتاه، ونحن نقضي الحياة بلا معنى، ونفتقر إلى أبسط الوسائل للمتاجرة مع الله، بينما نبذل الغالي والنفيس لنتاجر مع هذه الحياة الفانية وكأننا باقون فيها بقاءً أبديًا، ونعمل لها وكأنها المكسب والمغنم، فندخر الأموال ونبني الآمال العريضة والطويلة، ونشيّد الدور والقصور، وكأنها باقية أبد الأعمار والدهور، ونحن غافلون أو نتغافل أننا عن هذه الدنيا راحلون، فكيف يكون وعملنا فيها قليل، وزادنا منها ضئيل، فمتى نتعظ، ونتوب لربنا، ونعمل في الدنيا عمل العاملين للآخرة، لنحصد الرحمة والشفاعة والرضوان ونعيش الحياة الأبدية التي لا تساوي منها هذه الحياة الدنيا معشارها، ولا أقل من ذلك بكثير، والعلم عند ربي (عز وجل) من غفار تواب رحيم.



