لم يكن يعرف الظلمة البصرية، كانت الألوان من حوله زاهية، ملامح أوجه أحبته، نضرة بعينيه، لتأتي في واحدة يحدق من خلالها في الأشياء، لم يكن يعلم ما تحتويه الأيام القادمة، متأملًا، مشتاقًا إلى تكون أسرته، يعقد قرانه، شهر، هي الدقائق، يعيشها، يشعر بنبضاتها، يقرأ البسمة في ملامحها، نظراتها، يعانق البهجة بين قسمات أمه الحنون، يستشعرها، ليأتي بعد شهر من خطوبته، ما غيَّر بوصلة حياته، ما جعله يتحسس الأشياء من حوله، بعيدًا عن نور البصر، قريبًا من الذات، من الأصابع، وتركيز مشاعره، واستفحال الحالة الذهنية.
إنه خطأ طبي، بعدما كان يبصر بعينه الواحدة، ليكون كفيفًا، لا يبصر. «القطيف اليوم» قرطاسها ويراعها، تمنحهما، الكفيف محمد علي محمد آل داؤود، ليأخذها في عالمه، مبحرة، في إصغاء القلب.
س: بداية عرفنا على بطاقتك الشخصية والعلمية؟
ج: محمد علي محمد آل داؤود، من مواليد جزيرة تاروت، متزوج وأب لطفلتين، علميًا: طالب انتساب في جامعة الملك فيصل "قسم اللغة الإنجليزية"، ومدرب معتمد من المؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني.
س: مراحلك الدراسية، تدرجها، وإلى أين استقرت رحالها؟
ج: في المرحلة الابتدائية، كنت طالبًا بمدرسة ثابت بن قيس، والمتوسطة في مدرسة سعد بن عبادة، بعدها تخرجت في مدرسة النجاح الثانوية إلى جامعة الملك سعود بالعاصمة الرياض، لكن لم تشأ ظروفي الصحية آنذاك إكمال دراستي فيها.
س: ما الهوايات التي تتمتع بها؟
ج: أهوى الصيد والقراءة، وكتابة الشعر والخواطر والمقالات، والإنشاد في المواليد والأفراح، أمارس بعض الأنشطة الرياضية الخفيفة، وأستمتع بلعبة "البازل"، المعنية بقطع تركيب متعددة الأشكال. من الخواطر التي كتبتها:
"إشراقة رمضانية ١٦":
افعل شيئًا نابعًا من صميم تفكيرك، فيه لمستك وبصمتك البسيطة، ترى فيه نفسك، فإنك ستحيا أجمل ما تكون الحياة حافلة بالإبداع والإنتاج، افعل شيئًا ذا قيمة تكن مبدعًا.
س: في حياة كل إنسان، ثمة من يقف بجانبه، ويشد من أزره، في حياتك، لمن تشير؟
ج: تجدر الإشارة بكل فخر وامتنان لوالدي الكريمين، والأهل والأصدقاء، حيث إن الأهل لم يجلسوا مكتوفي الأيدي، سافرت للعلاج في الخارج، ودعوا لي بالتوفيق والسداد في كل خطوة، ألحقوني بمراكز ومعاهد ودورات تدريبية، وكانوا يحثونني دائمًا على التطوع في اللجان الخيرية، أو الفعاليات، كذلك كانوا يشجعونني على مواصلة الدراسة الجامعية، بالإضافة إلى الأصدقاء، الذين كنت أخرج دائمًا معهم في رحلات خارجية، وكأنه لم يحصل لي شيء، وبالنسبة إلى أعضاء النادي -أعضاء نادي واحة القطيف التوستماسترز-، كان لهم الأثر الإيجابي في تطوير مهارات التواصل والإلقاء والخطاب ومواجهة الجمهور.
س: ما القرار الذي غير بوصلة حياتك، ولست نادمًا عليه، وآخر انتابك الندم عليه؟
ج: القرار الذي غير بوصلة حياتي، قرار الخروج إلى المجتمع والاندماج في الأنشطة والفعاليات، اقتحام الحياة وعدم التقوقع داخل نفسي، أما القرار الذي انتابني الندم عليه، فلا أجد في حياتي قرارًا ندمت عليه حتى الآن ولله الحمد.
س: ما الموقف الحزين، والسعيد، الذي تخلل حياتك، ومازلت تستذكره؟
ج: الموقف الحزين: عندما قررت بسبب وضعي الجديد إنهاء مشروعي الخاص وبيع الميكروباص الذي كنت أعمل عليه، والموقف السعيد: حينما بشرت بخبر ولادة طفلتي الأولى كوثر.
س: برأيك؛ ماذا يحتاج الكفيف من الأسرة والمجتمع، ليكون عنصرًا فاعلًا أسريًا واجتماعيًا؟
ج: يحتاج الكفيف للدعم والتشجيع، لإبراز مواهبه المكنونة واستثمار إمكانياته ومساعدته على أن يؤمن بذاته وبقدراته، لذلك لا بد من إعطائه مهامًّا ومسؤوليات، وإشراكه في أنشطة المجتمع وفعالياته، لا أن يحكم عليه بالإعاقة، ويركن معزولًا في البيت.
س: ما تعريفك لمفردة المعاق؟
ج: المعاق الحقيقي هو الذي يعاني إعاقة في المشاعر، إعاقة في الإرادة، إعاقة في العقل والفكر، وليس أصدق من قوله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"، وكما قال الشاعر:
ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصرٍ إن أرى من ذوي الأبصار عميانا
س: ما طموحاتك المستقبلية؟
ج: أنا أحب عمل إدارة المشاريع، وأرى فيه تحديًا كبيرًا لي، ولذا آمل الوصول لمنصب مدير مشاريع في غضون السنوات القادمة من خلال حصولي على مثل هذه الوظيفة، والعمل مع مدير مشاريع متمكن وخبير، أتعلم منه ومن زملائي في فريق العمل.
س: ماذا يمثل لك النجاح؟
ج: النجاح، ليس عطية تعطى ولا منتجًا يشترى؛ بل نتاج عمل جبار، وسهر بالليل والنهار، وتدريب وإصرار، وتجاوز للعقبات، حتى يتم تحقيقه.
س: العمل التطوعي في دنياك، معناه وضفتيه؟
ج: العمل التطوعي، ينمي بعض المهارات للمتطوع، مثل الصبر وحسن التعامل مع الآخرين، وزيادة حب عمل الخير.
س: العجز في مقابل الإعاقة، هل تجد أن الإعاقة تشكل مصدرًا للعجز وعدمية العطاء والإبداع، كتلازمية؟
ج: لا، بل هي دافع للحركة والانطلاق.
س: حدثنا عن حيثيات فقدك للبصر، زمانيًا وواقعيًا؟
ج: زمانيًا: فقدت البصر تمامًا قبل عشر سنوات، واقعيًا: على نحو مفاجئ انطفأ النور في عيني اليمنى أولًا، بسبب ارتفاع ضغط العين، مما أدى إلى ضمور العصب، وبقيت لمدة أربع سنوات أعتمد في النظر على عيني اليسرى، حتى أتى ذلك اليوم الذي تعثرت قدمي ووقعت أرضًا، وعلى أثر ذلك ظهرت نقطة دم على عدسة عيني اليسرى، وبدأت الرؤية تكون غير واضحة لدي -تغبش-، بشكل مزعج، وعند مراجعة الطبيب، تقرر أن تجرى لي جراحة لتنظيف الشبكية، وهي عملية كما زعم الطبيب بسيطة وناجحة، لكن للأسف عندما أجريت لي فشلت، وصرت كفيفًا كما ترى، حيث كان عمري حينها 27 عامًا، لأفقد البصر بعد شهر من خطوبتي.
س: كيف تصف اللحظة الأولى، التي عرفت فيها بأنك فقدت البصر، بعدما كنت مبصرًا؟
ج: لا شك أن اللحظة الأولى، هي الأصعب، لحظتها صدمة، تختلط فيها مشاعرك بين الحيرة والخوف من المجهول، والدخول في نمط من الحياة لم تألفه من قبل، لا سيما أني كنت وزوجتي آنذاك للتو مرتبطين في بداية خطوبة جميلة حالمة بالطموحات والآمال، لكن ما أظهرته خطيبتي من إيجابية ودعم جعلني أتخطى هذه اللحظة، وهذا كله من لطف الله ورحمته وإحسانه تبارك وتعالى.
س: ما أول كلمة سمعتها بعد فقدك للبصر من قبل الأهل، أو الأصدقاء؟
ج: أول كلمة أعادت لي توازني سمعتها من أمي حين قالت: "استعن بالله، أنت ليس أول إنسان يفقد بصره"، أيضًا من الكلمات التي ما زلت أذكرها كلمة للأستاذ علي الغزوي، الذي قال: "احمد ربك، أنت شفت الحياة وعرفت ألوانها وأشكالها، غيرك ولد وهو فاقد للبصر، وما مداه يشوف شيء منها".
س: ما أبرز الصعوبات التي واجهتك بعد فقدك للبصر، نتيجة خطأ طبي؟
ج: كانت الصعوبات كثيرة، كوني سأبدأ نمطًا مفاجئًا من الحياة، أعتمد فيه بشكل كبير على الآخرين، أولها: الحاجة إلى التنقل، والمواصلات، والحاجة للاتصال، والصعوبة في استخدام الهاتف، بل حتى في البحث عن الحاجيات الشخصية العادية، كالمفتاح أو المشط أو القلم..، لكن -الحمد لله-، استطعت تجاوز كل ذلك، وأصبحت أعتمد على نفسي في أغلب الأمور.
س: ماذا تعني لك طريقة "برايل"، وهل لاقيت صعوبة في تعلمها؟
ج: برايل، هي وسيلة التواصل مع الكتب، وإحدى أدوات تعلم المعرفة، لكن للأسف مازلنا في العالم العربي نعاني نقصًا في هذا الجانب، حيث لا تتوفر الكتب المطبوعة بلغة "برايل"، إلا ذلك القليل المنحصر بالمناهج الدراسية فقط، حتى عندما نظم المركز زيارة للمكتبة العامة بالقطيف، وبرغم حفاوة الاستقبال التي وجدناها من القائمين على المكتبة وترحيبهم الكريم بنا، إلا أننا لم نجد فيها ما نقرؤه على طريقة "برايل"، سوى المصحف الشريف ونسخ قليلة من مجلة الفجر.
س: وهل لقيت صعوبة في تعلم برايل؟
ج: لا ولله الحمد، لم أجد صعوبة في ذلك.
س: ما النصيحة التي تقدمها لكل كفيف، وتجدها بوصلة حياة، ومنهج طريق؟
ج: نصيحتي: أن يعتمد على نفسه، يحدد أهدافه، يسعى ناحية تحقيقها والنجاح فيها، ولا ينتظر أحدًا يصل به إلى هدفه، فكل إنسان لديه القدرة على النجاح، وتحقيق ما يريد إلا من يقنع نفسه أن الظروف لا تساعده، ودائمًا تقف ضده، ليستسلم ويكتفي بالكلام بدلًا من المحاولة.
س: حدثنا عن وجودك محررًا صحافيًا في مركز مكفوفي القطيف؟
ج: في البدء، كانت فكرة اقترحها منظم الأنشطة الرياضية في المركز الأستاذ زهير آل سالم، ثم أتى التشجيع الكريم من مدير المركز -سابقًا-، الأستاذ باقي آل حبيل، فبدأت أكتب، وقد أوكلت لي مسؤولية أخبار المركز، كانت تجربة جميلة، يواكبها الأهل والأصدقاء وأعضاء المركز بالتشجيع والإعجاب والترحيب، مما أعطاني دافعًا آخر للإبداع والإنجاز.
س: بكونك محررًا صحافيًا، القراءة والاطلاع، الاستماع لنشرات الأخبار، الانغراس بشغف في كل ما يتعلق بالمهنة الصحفية، هي زاد اليراع، أين كل هذا من حياتك الإعلامية، وكيفية تطوير أدواتك ومهاراتك فيها؟
ج: أتابع الأخبار على كل صعيد -ما عدا الأخبار السياسية-، أقرأ المقالات، وأتجول في التطبيقات المحلية رغم أن كثيرًا منها لا يراعى في تصميمها وبرمجتها توافقها مع برامج قارئ الشاشة، الذي يستخدمه المكفوفون. نعم، مازلت مستمرًا في سبيل التطوير من خلال الاطلاع والدورات في هذا المجال. نعم، فقد تواصلت شخصيًا مع أكثر من صحيفة محلية، لتطوير تطبيقهم، ليتوافق مع قارئ الشاشة.
س: هل تجد أن العمل الصحفي من قبل فاقد البصر، أمر تكمنه الصعوبات، وبالنسبة لديك، ما العوائق والصعوبات، التي واجهتها؟
ج: لا أجد صعوبة كبيرة في العمل الصحفي، فقط أحتاج الحضور الشخصي للمكان وتوثيق الخبر بالصور.
س: في بضع كلمات، ماذا تعني لك هذه المفردات -التحدي- الأمل- الإعاقة- الطموح- القلم- الأم- الصدمة- المجتمع- الزوجة- الصديق؟
ج: التحدي: هو الذي يجعل الحياة مثيرة، والتغلب عليه، يجعل للحياة معنى، الأمل: دائمًا ضع الأمل في حياتك، لتستمر بكل قوة وثبات، مع تغيرات الحياة، تفاءل دومًا وانهض من جديد وابتسم، لتبتسم لك الحياة، الإعاقة: إما أن تصيرك منهزمًا مستسلما، وإما أن تجعلك أقوى، بحيث تتجاوز إعاقتك وتسحقها معنويًا، وتجعل منها مجرد اسم لا أكثر، الطموح: ليس له حدود، والأمل: أن نرى وراء الظلام نورًا، القلم: يكتب كلمات من طلاسم لا يفهمها إلا من تعنيه تلك النبرات، الأم: روح طاهرة، تهيم من حولي حضنًا دافئًا كلما شكوت إليه همي، الصدمة: قد تفعل بك شيئين: إما أن تدمرك، أو أن تصنع منك شخصًا أقوى، تصعب هزيمته، والاختيار متروك لك، المجتمع: كلما أشعرتهم بقيمتهم وأظهرت الاهتمام بهم ملكت قلوبهم وأحبوك، الزوجة: من تكون لزوجها مثل "الأم"، في الأزمات، و"العشيقة"، في الخلوات، و"الأخت"، في كل الحالات، الصديق: من يشعر بألمك عندما تخفيه، من يعيد جمع شتاتك حين تتبعثر، من يجبرك حين تنكسر.
س: ما علاقتك بقنوات التواصل الاجتماعي؟
ج: متواصل اجتماعيًا في العالم الواقعي والافتراضي على حد سواء، ولا غنى عن هذه الوسائل و-لله الحمد-، لا أجد صعوبة في استعمالها.
س: كلمة أخيرة لك ما هي، ولمن توجهها؟
ج: لم يبق لي من الكلام، إلا أن أشكر كل الأحبة، الذين أعطوني من قلوبهم مددًا من النور، لأبصر به الحياة، مغمض العينين مطمئنًا، والذين مازلت أشعر بالخير والبركة في دعائهم الطيب، كما أتوجه بالشكر والتقدير لـ«القطيف اليوم» ممثلًا في الصحافي الكريم جمال الناصر على هذه الفرصة الطيبة.








