قدست أم ولدته (والدة الإمام الجواد):
هذا ما نطق به لسان الحق الإمام الرضا (ع) في معرض التعريف النوراني لشخصية زوجته السيدة سبيكة (ع) والدة الإمام الجواد (ع)، فأضفى عليها العطر الفواح للقداسة الدالة على العرض النزيه والطهارة المعنوية في عقيدتها واستقامة سلوكها المتعفف، وهذا الثناء من الإمام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى كجدهم رسول الله (ص) منزه من العاطفة العمياء الميالة والمنجذبة للزوجة بلا فكر متزن وواعٍ، بل هو تقرير وإقرار بواقع ينقله الإمام الرضا (ع) بكل وضوح وموضوعية فماذا تحمل هذه الشهادة الصادقة في حق هذه المرأة العظيمة من دلالة نستنطقها من كلمته الرائعة؟
الأمر الأول: السيدة سبيكة (ع) أمة جارية من بلاد النوبة، والعبودية كانت موضع استنقاص من قبل العنصريين الذي ينظرون لهم بعين الاستنقاص والإذلال (كطبقة ثانية)، ولذا يعيبون على العنصر العربي التهجين بالارتباط بجارية والإنجاب منها، كما كان ينظر بنو العباس للمأمون باستصغاره من جهة أمه الجارية الفارسية، فلا يتقبلون مضاهاته بأخيه الأمين، فضلًا عن قبول خلافته إلا على مضض وبالرغم منهم.
وهذا في المفهوم العام - بالطبع - يخالف القيم الدينية القائمة على مبدأ المساواة في العنصر بلا تمييز، والتمايز الحقيقي هو بالقرب من الله تعالى والصبغة التقوائية، فهذا ما يرفع شأن الإنسان وقيمته، والسيدة سبيكة (ع) يعرف الإمام الرضا (ع) بمقامها الرفيع في مقام العبودية والمعرفة والعفاف فإن كانت بمنظور خاطئ يراها أمة فينتقص البعض شأنها من هذه الجهة، فهي متدثرة بلباس الورع والذكر النوراني، وهذا ما أهلها - بالذات - لتكون قرينة لإمام زمانها الإمام الرضا ورحمًا طاهرًا وأمًا لخليفته بالحق الإمام الجواد، وهذا بعينه ولوحده يعد كافيًا للتعريف بحقها ورفعتها واستحقاقها هذه العلياء.
ومن جهة أخرى، فإن ما جرت به العادة في التعامل مع الجواري في سوق النخاسين والبيوتات هو امتهانهن وتطاول الأيدي عليهن فيظن البعض أن هذا حال كلهن ولا يوجد بينهن من تمتاز بالعفة والرصانة وكراهيتها للابتذال والتسافل في التعامل فتقع الشريفات العفيفات كالسيدة سبيكة وكثيرات مثلها موضع ظن السوء بحالهن وما جرى معهن.
والإمام الرضا (ع) يظهر حال هذه المرأة العظيمة، فقد كانت على قدر عالٍ من الكمال الإيماني والأخلاقي، ونسبة الإمام القداسة لها يظهر معدنها الأصيل والحقيقة التي تغيب عن البعض، فاختيار الإمام لها أمًا لخليفة الله على عباده - اختيار رباني باعتقادنا - ما جرى إلا عبر الموازين الشرعية والعقلية الداعية إلا مراعاة الكفاءة في الاقتران، وهذا الاختيار كاشف عن حظوتها بمقام العصمة الصغرى التي حظي بها من صان نفسه من الرذيلة والمنكرات، وحالف التقوى واليقظة الروحية والانقطاع إلى الله تعالى، كما كان ذلك من قمر بني هاشم العباس والسيدة زينب والسيدة فاطمة المعصومة، وغيرهم من فضلاء وفضليات أهل بيت النبوة من أبناء وبنات وزوجات الأئمة عليهم السلام، فقد حازوا أعلى درجات النزاهة المعنوية والعفاف والاستقامة والخلق الرفيع.
وختامًا نقف سريعًا مع الدرس التربوي الهادف الذي أشار له الإمام الرضا في بيان أحد الأوجه المشرقة في شخصية ابنه الإمام الجواد، ألا وهو عامل الوراثة واختيار الزوجة المناسبة وفق امتلاكها التدين والأخلاق الحميدة، فمن يطلب الذرية الصالحة فليحسن اختيار الأرض الطيبة التي يبذر فيها أبناءه.



