لا يملك الفقيرُ سكنًا، يَصُفَّ أحجارًا يفترشها تحتَ ظِلِّ شجرة، يسخر من الدنيا ويبتسم، ينظر إليهِ غنيٌ من شرفةِ قصرهِ يقول لخدمهِ: "الله! هل ترونَ ما أسعده؟ إنه في قمةِ السعادةِ جالسٌ لا تعنيهِ الدنيا في شيء، ليتني سعيدٌ مثله".
أيها الغني: ليست كُلُّ ابتسامةٍ سعادة، ربما هي ابتسامة الحرمانِ والتعاسة، ابتسامةُ من يركل الدنيا بعد أن حرمته كُلَّ شيء، هل أعطيته بيتكَ وقالَ أحب العراءَ ولا أريد البيت، ليست السعادةُ في الحرمانِ والبؤس، السعادةُ أن تملكَ الأشياءَ والمال، الكثيرَ من الأشياءِ والمالِ ما يجعلك عزيزَ النفسِ على ألا يملكك المالُ والأشياء.
يزيف ويشوه الغنيُّ الصورةَ لكي يحرر ضميرهُ عند الناسِ وعند الرب، يا الله كيف أعطي من هو أسعد مني؟ يا أيها الناس هل تريدونَ مني أن أفسدَ عليه سعادته وأذهب بقناعته؟ سوف يعطيهِ الربُّ الخيرَ الكثير بعد موته.
لو كان الفقرُ سعادةً لامتدحه الأنبياءُ والحكماءُ وقالوا للناسِ كونوا فقراءَ تسعدون، يتأوه الفقيرُ ويدفعه الفقرُ نحو الجرائمِ والفساد، ليس كل فقيرٍ مجرم ولكن الفقرَ جريمة لا تغتفر لابد أن تحاربها البشريةُ كلها كما تحارب المخدرات والأمراض، يأتي الفقرُ ويتبعه الجهلُ والجريمةُ وهو الحبلُ السري لكل الشرور التي يتفسخ فيها الفردُ والمجتمعُ والوطن.
إن طافت بك صورةُ من يغنيكَ منظرهُ البائس عن مخبره، مُدَّ يَدَكَ له وأعطه إن استطعت وإلا لا تلون الصورةَ السوداءَ باللونِ الأبيض يراها غيركَ بيضاء، ليس أسهل من مشكلةِ الفقر أن تحلها البشرية، لم يخلق اللهُ أفواهًا ليس لها طعامٌ لكن لا تسرقوه منهم، ازرعوا أرضهم وابنوا بيوتهم وادفعوا لهم أجرَ قواهم، ليس المال الذي يعطيه الغنيُ الفقيرَ سوى مسكناتٍ لألمِ الفقرِ الذي لا بد أن تستأصلهُ البشرية وتعالج العلةَ الباطنية.
يفرح الغنيُ حين يجمع أصفارًا من المالِ ويحجبها عن الفقيرِ، ولو أنفقَ صفرًا واحدًا جلبَ الرخاءَ لآلافٍ من البشر، السماءُ التي جلبت للغنيِ الرخاءَ في قدرتها أن تضعه في مطاحنِ الفقر وتضعَ الفقيرَ في الأبراجِ العاجية، ولكننا أبناء البشر نستأنس بالأناةِ ولا نفهم الدرسَ إلا إذا نقلتنا السماءُ إلى الضفةِ الأخرى من النهرِ أو تحتَ القبر.
قبل عشراتِ السنين جاءَ فقيرٌ إلى أستاذيَ الذي محا القدرُ اسمهُ من الأحياءِ وقال له: "أنا محتاجٌ فأعطني"، قال أستاذي: "أعطيتهُ خمسةَ ريالاتٍ في زمنِ قلةِ المال"، عادَ الفقيرُ بعد مدةٍ ودَسَّ الخمسةَ ريالات في جيب أستاذي، قال له: "أنا لم أعطكَ المالَ لتعيده!"، قال الفقيرُ: "هي حاجةٌ انقضت"، هذا هو الفقير "يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ ".
كم يخفي ظلامُ الليلِ في العالمِ من ملايينِ الناسِ ممن يقنع بالقليلِ لو وجده، لكن العالمَ المترف مشغولٌ بتفاهاتهِ ونائمٌ في أحضانِ سروره متيقنٌ أن النعمةَ لا تزول، أيقظوهُ وقولوا له: "اسأل من عاشَ قبلك".



