12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تلك التي أفلتت

يتجمع صيادو السمكِ بعد رحلةِ البحرِ الشاقة ويخرج كُلٌّ منهم ما في شباكه من الصيد. يفرح من اصطادَ الكثيرَ ويعلل النفسَ من لم يحالفه الحظ بأن تلكَ التي أفلتت لو لم تهرب لكانت في الشباكِ وأريتكم إياها. البعضُ لم يكن هناكَ من شيءٍ في شباكه سوى الأماني والآخر كانت هناكَ حقاً وأفلتت، في كُلِّ الأحوالِ يقولُ الصياد:ُ "هي التي أفلتت وليس جرمي". لو بنينا نصباً لكل سمكةٍ روى الصيادُ أنها هربت منه بنينا مدناً.

ليس صائدُ السمكِ وحده من يروي حكاياتِ الخيبة فكُلُّ البشر يحكيها صغار ويافعونَ وشيوخ! هناك الطالبُ الذي بقي على جلوسه في مقعدِ الدراسةِ علامةٌ واحدة وأفلت الكرسي من تحته ودفنَ كُلَّ أحلامهِ بالعلم والوظيفة. ذاك التاجرُ الذي عضَّ شفتيه وقرعَ سِنَّ الندمِ على شراءِ أو بيعِ سلعةٍ كان فيها ثمارُ تعبه أياماً وليالي. كُلٌّ البشر لم يصطادوا سوى اللاشيء في بعضِ رحلاتهمْ في الحياة.

تقول النصيحة: "لا تبك على اللبنِ المسكوب" فلا يمكن إعادته في الكأسِ ولا يمكن إرجاع السمكةِ في شباك الصياد، ولكن ماذا عن الشعوبِ والدول هل تفلت من شباكها الفرص؟ لا شك أن ما يفوت الدولَ من فرصٍ في التنميةِ والاقتصاد والحرب والسلم والتخطيط لقادم الأيام قد تحيل تلك المجتمعات من صائدٍ للفرصِ إلى مصيودٍ اصطادته ظروفُ الخيبة.

ما يخسره العالمُ في كُلِّ يومٍ أرقامٌ لو سمعتها لم يفارق الرقم أذنيك ولو رأيتها لم يفارق منظرها عينيك. أرقامٌ تبعث فيكَ الألمَ أنها كانت تكفي لإحياءِ شعوبٍ وأمم. أما أنا وأنتَ فكل أعمارنا لنا شباكٌ والدنيا هي البحرُ الواسعِ الذي تأتينا فيه الأسماك. نحن نصنعُ الفرصَ وننميها أو ندوسها في قدمينا وفي كُلِّ الأحوال "فاز باللذاتِ من كان جسورًا".

من يرى الناجحينَ في الحياةِ يظن أنهم حصلوا على فرصٍ دون غيرهم ولكن سيرهم تروي أنهم هم من صنعوها. فشلوا مرةً ونجحوا مرةً حتى استقامت لهم الحياة. يشب الحريقُ في مصانعهم، يغمضونَ أعينهم لا يبكونَ ولكن يحلمونَ كيف يعيدون بناءها، هكذا امتلكت أفرادٌ وشعوبٌ نواصيَ العلم والثروة!

طبائعُ الحيوانِ الضاري ترشده إلى أن ما يخسره من طرائدَ في اليومِ يأتي غيرها في الغد، ليس عليه سوى الاختباء والمكر أسرع وأذكى. لن تأتي الفرص للأفرادِ والشعوبِ في الليلِ تطرقُ أبوابهم وهم يغمضونَ أعينهم في فراشهم الوفير تقولُ استيقظو فقد أتيت! ولكنها تأتي عندما تراهم مستيقظين.

وأنت تسترجع الفكرةَ التي ماتت في مهدها خذ ورقةً ودَوِّنْ تلك التي لم تأت بعد وانظر كيف تستدعيها لزيارتك. ربما كان غناك أو سعادتك فيها وتقص حكايتكَ مع الصيادين في تلك التي اصطدتها بدلًا من تلك التي أفلتت! ليس فقط في المال ولكن تلك العلاقة التي ربما أصلحتها أو الدرس الذي تعلمته أو الصنعة التي تعلمتها.


error: المحتوي محمي