سيرة طالب (20)

(استثناءات نجفية) الشيخ الأكرف والعلاقة الحميمة

ثمانية أشهر في سنة ١٤١٠ هجري عشتها في مدرسة الآخوند الخراساني الكبرى في ثلاث غرف مختلفة، وكان أحد أصدقائي في تلك المدرسة الشيخ حسين الأكرف حفظه الله، الرّادود الكبير، وكان آنذاك غير معروف وغير مشهور بالشهرة التي يحوزها الآن.

في إحدى الليالي خرج الشيخ من غرفته متوجهاً إلى غرفتي، فلمح ساعة ثمينة معلّقة في جيبي، فتفاجأ قائلاً: هذه الساعة هي التي أبحث عنها. فقلت له: لكن هذه هدية من أحد أصدقائي الذي أعدّه نفسي، وقيمتها ليست بسعرها وإنّما قيمتها هي بعمق الصداقة التي جمعتني بصديقي.

ويبدو أنّ إصراره على أخذ الساعة وراءه سرٌّ كبير؛ لأنّه انحنى على رأسي وطبع قبلة على جبهتي، متوسّلاً بقول: ألا تُعطيني إيّاها؟ والله تكون هذه الساعة التي هي أبحث عنها لأقدّمها هدية لأستاذي وأبي الروحي الشاعر غازي حداد، حينها لم أجد إلّا أن أذعنت وأعطيته إيّاها بتمام الرّضا. ولتعلم يا أخي القارئ أن هذا الحدث لا يعبر إلا عن العفوية فقط.

ومرّت الأيام وعزم الشيخ الأكرف على أن يسافر إلى البحرين، وأتمنني على غرفته، فأخذت مفتاحها وسكنت فيها مدّة أشهر قليلة، وكان في غرفته مسجل وأشرطة يدرّب نفسه على الإنشاد والنعي بصوت عذب.

من طقوس الشيخ القوجاني
ومما ذكره لي صديقي الشيخ الأكرف أنه زار الشيخ عباس القوجاني رحمه الله، وهو من البارزين في العرفان، حتى إنّ طلبة العلم في النجف يعرفون أنّ البارزين في النجف هما شخصان اثنان لا ثالث لهما: السيد عبد الأعلى السّبزواري، والشيخ عباس القوجاني.

ذكر الشيخ الأكرف أنّ الشيخ القوجاني سألني إن كنت أذهب إلى المقبرة وادي السّلام ليلاً وحده، فأجبته بالنفي، فعقّب الشيخ القوجاني ناصحاً:
إنّ الذهاب إليها وحدك ليلاً يعين على تذكّر القرب إلى الله.
فقال الشيخ الأكرف: أكيد أنك تذهب إلى المقبرة وحدك ليلاً، فأجاب: كثيراً.

العالم الزّاهد
كان الشيخ علي أصغر الأحمدي الشاهرودي (1342ﻫ – 1412ﻫ) أبرز تلاميذ السيّد الخوئي (ره) من المجتهدين، بل من أبرز العلماء الذين يعرفون مباني السيد الخوئي بدقة، ويُعدّ واحداً ممن كلّفهم السيّد للإجابة عن الاستفتاءات.

كان الشيخ الأحمدي ساكناً في مدرسة البخاري أو تسمى البخارائي، هذه المدرسة ملاصقة لمدرسة الآخوند الخراساني الكبرى، وسكن في هذه المدرسة عندما سافرت زوجته مع أولاده تحت ضغط الحكومة العراقية إلى دولتها وجلس وحده في المدرسة.

فاقترحت على بعض زوار القديح ضرورة زيارة هذا الشيخ الأحمدي المجتهد، إذ هو مشهور في الأوساط العلمية أنّه كان سبباً في عدول السيّد الخوئي عن رأيه في صحة كتاب كامل الزيارات فتوقف في فيه، فرغّبتهم في زيارته، وزرناه في ذلك اليوم عصراً، فرأيناه عالماً زاهداً في الدنيا، منقطعاً في الله، ويعرف هذا من نبرة كلامه ومضمونه.

قدّم لنا بعض البرتقال، وأظنّ أن ليس عنده غيره، فأخذ واحدة وقسّمها أربعة أقسام، وهو يعطي الزوّار تواضعاً منه، وبعد أن خرجنا من عنده عظّمناه في أعيننا وعرفناه عالماً زاهداً بحقّ.

معمعة المعميين
من الأمور التي لا زالت تفاصيلها قابعة في الذاكرة، ذلك الذي حدث بين شيخين قطيفيين كبيرين، بينهما صراع دائم، فمريدو الشيخ الأول يخاصمون مريدي الآخر، وإذا كان طالب علم يذهب مجلس أحدهما، فحرام عليه زيارة الآخر.

في ظلّ تلك الأجواء من الإستفادة والإرشاد كنت أزور المجلسين، فإذا ذهبت إلى أحدهما، نصحني مريدو الشيخ الآخر بعدم الذهاب، والعكس بالعكس، إلّا أنّني لم أصغِ إلى كلام أيٍّ منهما، ولكن تكرر الاصرار في رفض الآخر.

فيا ليت ويا ليت كل طالب علم يحب كل طلاب العلم أو أغلبهم، ولا شك أن ما يدعو إليه الدين لتوثيق أواصر المحبّة والأخوة والتعاون والتسامح، بل التسامح بين الناس مرغوب عند الله، بغضّ النظر عن جنسياتهم وأديانهم وقوميّاتهم وتوجهاتهم، فكيف إذا كانوا أتباع دين واحد ومذهب واحد؟!
أليس ذلك التباغض والتنافر خلافاً لمنطوق الآية الشّريفة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].




error: المحتوي محمي