بلسان شعرائها.. «القصيدة القطيفية» عروس الكوثر الأدبي في أمسيته الأخيرة

أحيا منتدى الكوثر الأدبي أمسيته الشهرية يوم الثلاثاء 2 مارس 2021م  التي امتزجت فيها روعة الشعر بحصافة الفكر حيث استضاف المنتدى في برنامجه الشيخ محمد المحفوظ في ندوة حاوره فيها الشاعر حسين بن الملا حسن آل جامع وناقشه فيها السادة أعضاء المنتدى.

واستهلت الأمسية بكلمة لرئيس مجلس إدارة المنتدى في دورته الحالية المهندس الأديب حسن بن الشيخ علي المرهون الذي كشف أن تأخر تدشين الموقع الإلكتروني للمنتدى يرجع إلى ظروف الجائحة وتعثر المؤسسة المسند لها إنجازه، واعدًا ببذل المزيد من الجهود مع السادة أعضاء مجلس الإدارة التي لم تدخر وسعًا في تحقيق رؤى المنتدى.

واستعرض أمين سر المنتدى الشاعر ناصر العلي منجزات أعضاء المنتدى، والقرارات الأخيرة والتي منها: إتاحة عضوية الانضمام للمنتدى المختصة بالجانب النسوي من شواعر وأديبات؛ حتى يكتمل المشهد الأدبي القطيفي، وللتخلص من نسق الذكورية الذي ظلّ يهمّش الجانب الآخر والنصف الثاني للمجتمع، مبشّرًا في ختام كلمته بجهوزية ديوان مسابقة رئة الوحي الدولية التي يقيمها المنتدى للطباعة والنشر.

وسلّط الشيخ المحفوظ في كلمته الضوء على قضايا مفصلية تُعنى بالشعر والشاعر، راسمًا خارطة طريق تفضي ببلوغ القصيدة القطيفية آفاقها المنشودة، توالت في محاور عدة منها: دور الشاعر في ترسية القيم الأخلاقية في المجتمع، وأهمية الحراك الثقافي للمجتمع والدور المناط بالشعراء، والشعر والالتزام والتربية، مؤكدًا على أن الشاعر ضمير المجتمع والأمة، وليست الوظيفة المناطة بالشاعر صناعة المعرفة المحضة بقدر ما يستفيد منها؛ ليوظفها في نصّه وتظهر بين تلافيف مكنوناته القيمية.

وأما عن دور الشاعر فيكمن في تعزيز القيم الجمالية والإسهام في نبذ القبح عبر صنع آلية خروج من خلال جسر اللغة والطاقة التعبيرية، وقد أكّد الشيخ المحفوظ على أن الشاعر يقع في مرتبة واحدة متساوية مع رجل الدين، فكل منهما محور التفاف من قبل الجماهير، غير أن الوظيفة التي على الشاعر النهوض بها ليست هي وظيفة التبليغ عبر الخطاب الوعظي الذي يقدّمه رجل الدين، داعيًا شعراءنا إلى الخروج من شرنقة المناسبات الدينية والانفتاح على مديات أكثر سعة، والتي لا تخرج الشاعر عن مفهوم الالتزام كالشعر الوطني، والشعر المماس للهم العام، وشعراء القطيف ليسوا بأقل شعريّةً وثقافة في نصوصهم من الشعراء الحاضرين في المشهد الآن، لكن شيوع النص المناسباتي، والتقوقع هو ما يكاد أن يسبب هذه القطيعة.

وركز المحفوظ في ندوته على أهمية هدم هذا السد المبني على قصيدتنا تحت عنوان شعر المناسبات، مشيرًا إلى ضرورة اهتمام الشاعر بالإرث والتاريخ، والاطلاع على آفاق ثقافية ومعرفية وفلسفية وفنون حديثة، لأنها كفيلة بجعل خطاب القصيدة أكثر رغبة في الانفتاح على الآخر، داعيًا شعراء القطيف إلى قبول التحدي واقتحام آفاق جديدة مصنوعة من الحرية التي تصنع المعرفة، دون التخلي عن الالتحام بالإسلام الذي نعته بأنه وسيلة البروز الأفقي والعمودي.

وسُئل عن غياب التجربة القطيفية عن كتابات المثقفين والنقاد، فأقرّ الشيخ المحفوظ بالتقصير من جانب المثقفين والنقاد الذين لم يعطوا القصيدة الثقافية حقّها في الصحف والمجلات التي يكتبون فيها، وهو من أولئك، وقد أعطى وعدًا بأنه لو أتيحت له فرصة الكتابة مجدّدًا فإنه سيولي القصيدة القطيفية اهتمامًا خاصًّا.

وكانت الأمسية قد تزيّنت في الوقت نفسه بأضواء ثلاثة نجوم من شعراء المنتدى وهم: محمد الصفار، ومصطفى العالي، وعبد المنعم الحليلي، وقد تنوّعت مشاركة الشعراء في اتجاهات قصائدهم وتنوع أغراضها بتنوع تقنيات إنشاء تلك النصوص التي أنشدها الشعراء الثلاثة الصفار والعالي والحليلي، والذين خُصّصت لهم هذه الأمسية في ظلّ تفاعل كبير مصحوب بإشادات من الأساتذة الحضور الذين أثنوا على التنوّع في النصوص المقروءة، وتعقيبات نقديّة.

ومما قاله الشاعر محمد الصفار الذي انصبت نصوصه في الجانب التأملي موظفًا الثنائيات في بناء معمار نصه الذي يحاور الجسد فيه الروح والنور الظلام والإيجاب السلب في قالب شعري رشيق، يقول في نصه المعنون بـ”خارجَ السجنِ.. داخلَ النفس”:

كمثلِ وجهٍ بِلا عينينِ منبثقِ
سِرنا إلى الضوءِ لَكِنْ دُونَمَا حَدَقِ
في الصبحِ نأكلُ أحلامًا مُعلَّبَةً
وننظرُ النَّفسَ تبكي داخِلَ الطَّبَقِ
في الليلِ نعرَى ولا ندري أيلبسُنَا
أمْ نحنُ نلبَسُهُ في حفلَةِ الأرَقِ
مُغَلَّقونَ بأجسامٍ بِلا طُرُقٍ
تحتارُ مِنْ أينَ تأتي لِذَّةُ الشَّبَقِ
عطشى إلى الضوءِ غرقى في الظلامِ
ركضنا باحثينَ عَنِ المجهولِ في النَّفَقِ

والتفّت قصيدة الشاعر مصطفى العالي ببردة الحكمة والتي ألفناها عند الشعراء الأوائل الكبار، والتي كانت تذهب مسار الأمثال السيّارة كما هي عند أبي الطيب المتنبي، وهنا نجد الشاعر العالي بحكمته التي لم تصدر عن عقلية خالصة بل جاءت موشّاةً بالحالة الشعورية المنبعثة عن عاطفة صادقة ضجّت به مدلولات النص، ولذا يجد القارئ في نصه ألفاظ (السعادة/ النور/ الفرح / الحزن..) وُظّفت ضمن مقاييس منطقية كاشفة عن السبب والنتيجة، وأما التساؤلات الكبرى فهي شاخصة بعينها في نصوصه: كالمآل والمصير وحتمية الموت، يقول في إحدى قصائده المرتلة في تلك الأمسية:

فنورُ السعد محتاجُ لبدرٍ
ليعكس هالة الشمس المنيرة
وفرحة أُنسِنَا كُبِتَتْ بِحُزنٍ
وبسمةُ ثغرنا صارت أسيرة
تساقطت النجوم بليل حزن
وخلفت العقول بأي حيرة؟

فلا تفرح بطورٍ في شبابٍ
ولا تطمع بأموال وفيرة
فنحن بهذه الدنيا ضيوف
وكلًّ مسافرٍ لاقٍ مصيره

ورتّل الشاعر عبد المنعم الحليلي قصيدته الممتلئة بالهمس والورود وشهقة العلو العلوي التي تخضر على إثرها جميع وجودات الشاعر الخارجية وصولاً إلى اخضرار الجوارح ومن ثم الجوانح، حيث يكتب الشاعر قصيدته المنتمية بلغة أكثر اتساعًا وانتماءً لكل جميل وهذه ظاهرة في النصوص التي كُتِبت في شخصية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ولعل الكتّاب والشعراء المسيحيين يكتبون عليًّا كذلك عليَّ الإنسان وعلي العشق المقدّس، يقول الحليلي في هذا النص:
هُوَ حَيدَرٌ وتَسِيلُ مِنْهُ سَنَابِلُ
ويَبُوحُ بِالغَيبِ الهَوَى المُتَوَاصِلُ
عَنْ نَبضِهِ قَالَ الصَّباحُ: “بِأَنَّهُ بَاقٍ”
فَلَا يَنْأَى ولَا هُوَ آفِلُ
عَنْ ضَوئِهِ قَالَ المَسَاءُ: بِأَنَّنِي
أَسمُو بِهِ
وتُضِيءُ فِيَّ مَنَازِلُ
هُمْ كُلُّهُمْ زَرَعُوا أَضَالِعَهُمْ بِهِ
هُمْ كُلُّهُمْ (بِهَوَى الأَمِيرِ) تَوَاصَلوا

واختتمت الأمسية بتكريم المشاركين وضيف الندوة من قبل رئيس مجلس الإدارة المهندس حسن المرهون، وتقديم الشكر لجميع الحضور.



error: المحتوي محمي