موسى.. وتابعه المزعج!

هل تعرف أحدًا يشبه الرجل، من شيعة موسى (ع)، لكنه يفتعل كلَّ يومٍ عراكًا وشجارًا واقتتالاً مع مخالفيه، وبالنتيجة يؤذي ويضر من يتبع؟ كيف لا ويوجد الكثير من هذا الصنف اليوم؛ يظنون أنهم يدخلونَ السرورَ في قلبِ من يتبعون، فإذا هم يدخلونَ الشرور!

مشى موسى قاصدًا عاصمةَ مصر آنذاك فوصلها في أوَّل الليل والناس للتو تركوا أعمالهم وعطلوا دكاكينهم ومحلاتهم طلبًا للراحة والتنزه، فلا أحدَ يراه أو يراقبه. رأى موسى رجلين يتنازعان، فاقترب منهما وإذا أحدهما من شيعته وأنصاره من بني إسرائيل والآخر فرعوني. بصر الإسرائيلي بموسى القوي فاستغاثَ به، سارع موسى إلى نجدته فضرب العدوَّ بقبضةِ يده على صدره، فهوى إلى الأرضِ ميتاً في الحال، ولم يكن ينوي قتله. قَتْلُ القبطي لم يكن أمراً هيناً حتى يعفو عنه الفراعنة، فهل تتخيل كم من الحزنِ والغم داخلَ قلب موسى؟!

انتشر مقتل الفرعوني في مصر بسرعة، وموسى الآن من بين المشتبه فيهم، فخاف مما هو قادم وأصبح يترقب، حتى جاء اليومُ التالي في ذاتِ المدينة، وإذا بذات “الشيعي” يتنازع مع قبطي آخر ويطلب من موسى أن ينصره! بالكاد تملص موسى من تبعات ما جرى بالأمس، وهاهو الرجل اليوم في عراكٍ جديد، يطلق صِيَاحاً شَدِيداً لكي يخلصه موسى من عدوه. تعجب موسى واستنكر فعله، ومع ذلك أبت حميته أن يتركَ مظلوماً دون مساعدة، لكن التابع ظنَّ أن موسى يريد قتله وأعلنَ ما كان خافياً عن الناس: أنتَ كلَّ يومٍ تريد أن تقتلَ إنساناً، فأىَّ إصلاحٍ تريده يا موسى؟

وصلت الأخبار إلى قصرِ فرعون فعقد جلسةَ شورى مع وزرائه وانتهى “مؤتمرهم” إلى أن يقتلوا موسى، وكان في القصر رجل مؤمن له علاقة بموسى فمضى إليه وأخبره بالمؤامرة. أمّا موسى فقد تلقى الخبرَ من هذا الرجل بجدّية وقبل نصحه ووصيته في مغادرةِ المدينة، فخرج إلى مدينة “مدين” شمال الحجاز، مبتعدًا عن سيطرةِ مصر والفراعنة في رحلةٍ متعبة وشاقة قصَّ فصولها القرآنُ الكريم في سورةِ القصص.

في هذا الفصل من قصةِ موسى نرى كم من الهمِّ والغم أدخله تابعٌ ومشايع واحد على قلبه، مما اضطر موسى الذي تربّى في نعمةٍ ورفاه إلى سفرٍ لم يسبق له في عمرهِ أن يسافر إليه، فلا زاد ولا متاع ولا صديق ولا راحلة ولا دليل، مضطرب البال، قلقاً خائفاً على نفسه من أصحابِ فرعون أن يدركوه قبل أن يصلَ إلى “مدين” ويأسروه ثمّ يقتلونه فلا يكمل مهمته الإصلاحية!



error: المحتوي محمي