كيف نتألق ونرتقي؟

بعد وخزة ألم من كلمة جارحة أو موقف خيبة وإخفاق بتحصيل المراد، نلوذ بالصمت وفي النفس الكثير والكثير من الكلمات، فنعرض صفحًا عن الإفصاح عنها، فالتذمر والتشكي ينسج خيوط الضعف النفسي ويطبق على عزمنا بأغلال اليأس، وما نفكره به بعد الألم هو الحكاية وهو ما يحدد مدى وعينا وفهمنا لحقيقة المطبات الحياتية وتعدد محطاتها، نعم، من حقنا أن ننفس عما بداخلنا من زعل وحزن على ما مررنا به من تجربة أو موقف صعب، ولكنها ابتسامة النهوض مجددًا تعلن عن ردة فعلنا الصائبة تجاه قسوة الحياة، فالحظوظ ليست إلا كلمة ترددها لهوات الخائبين وتقدم آيات السلوان لهم، وعزمك القوي الذي لا يلين هو حظك وحقك فلا تتنازل ولا تتنازل عنه مهما كانت الظروف.

الرضا والقناعة بما تخبئه لنا الأيام من مسار أحداث لا يعني الاستسلام أبدًا، بل هو التكيف مع الواقع والإعداد للمستجدات بما يناسبها، ونلتزم الصراحة في كل أقوالنا وأفعالنا إن أردنا المصداقية وقوة الشخصية، وفي لحظات ضعف قد نسأم الحياة أو نعاف ما بدأنا به من عمل أو مشروع، وهذا ليس بمهم إذا لحقته ومضة وعي ويقظة تدفعنا نحو نفض غبار الشعور بالضعف، والتفكير بهدوء لرسم خطوط المرحلة القادمة بعد اكتشاف مواطن العيوب والتقصير وبعيدًا عن الإحباط واستصغار القدرات.

لا ننكر تأثرنا للحظات بما تنفث به ألسنة الفتنة وتكسير مجاديف التفوق والإبداع، ولكن وقفة تأمل أوصلتنا لنتيجة جلية وهي أن الأفواه الفارغة لن تتوقف عن لوك ومضغ اللحوم فلندعهم لنتانتهم.

وليس هناك من سوء ومضرة نلحقها بصحتنا النفسية ككتم ما نستشعر من سوء الفهم لنا، فنعاني حينئذ من الأفكار السلبية والتفسيرات المسيئة التي تراودنا حينها، و لعلها تتطور إلى روح التشفي وحب الانتقام، فلنبادر دائمًا إلى صورة واضحة جلية لآرائنا ومواقفنا وقراراتنا لنتجنب اللبس وسوء الظن بنا.

وليس هناك من إطار ذهبي تحتكم إليه العلاقات الراقية و المتحضرة كالاحترام للآخر في أفكاره، فالتفاهم والحوار لا يسيء لأحد بل هو إبداء وجهات النظر وتلقي نقدها، ولا تتطلب القناعات التبرير ومطولات الشروح بل لك قناعتك التي تتحمل تبنيها وتبعات العمل بها، فالمعاهدة المشتركة بين البشرية هو تحريم الإساءة بجميع أشكالها القديمة والمتطورة، والشفهية منها وما يدور منها في وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبارها من أسلحة الدمار المحرمة.

والعطاء والأخذ عنوان التواصل والعلاقات الراقية، بعيدًا عن الأنانية والنرجسية والنظرة المتعالية، فالتعاون والمساندة يخلق للإنسان عينًا وكفًا ورجلًا ثالثة يتحرك بها في أوقات الحاجة، وليس معنى هذا أن الناس سواسية في نفسياتهم وأخلاقهم، ولكن علينا اتباع فن الانتقاء وحسن الاختيار من أولئك الذين يبدون الاحترام وحب الخير للآخرين، وحافظ على أحبابك بالتغافل عن هفواتهم والمسامحة لزلاتهم المستتبعة للاعتذار، واحذر أن تشن على أحد حرب الكراهية والحقد مهما بلغ منحدره إلى السوء واللؤم.


error: المحتوي محمي