الدفقة الشعورية: مصطلح يشير إلى الكتابة “النفسية” المندفعة لحظة خروج القصيدة؛ أي قبل تعديلها، وتشذيبها، والإضافة عليها، وحذف بعض أجزائها، وكلماتها، فهي بهذا المفهوم، تتقاطع مع مصطلح “الطبع”، المتداول ضمن النقد العربي القديم؛ حيث الإعلاء من شأن القصيدة حال خروجها، لا حال تعديلها، إذ يكون للأثر النفسي؛ دور فاعل في تكوينها، وبنائها، واستمراريتها، وحينما ينقطع؛ تتوقف القصيدة، وتنتهي.
الشاعر الحديث، وإن خضع لمفهوم الدفقة الشعورية، وعلاقتها بالأثر النفسي؛ الناتج عن موقف من المواقف، أو حادثة من الحوادث؛ إلا أنه لا يتَّفق تمام الاتفاق مع صياغتها القديمة، بالصورة المشار إليها؛ إذ مال إلى جانب “الصنعة”، وبات يعمد إلى كتاباته بالتعديل والتشذيب، حتى يصل لقناعة تامَّة بجدواها، وجماليتها الفنية.
مصطلح الدفقة الشعورية، مرتبط إذن بالأثر النفسي للشاعر، حيث القصيدة لا تتم كتابتها عبر “اندفاقة” واحدة، بل عبر اندفاقات متعددة، ومرحليَّة، يفصِل بين كل اندفاقة وأخرى فاصل؛ يُعتبر ذروة الدفقة ونهايتها، ويُمثِّل أقصى ما يرغب شاعر في التعبير عنه، والوصول إليه، قبل أن يُكمل قصيدته بدفقات أخرى، تحتوي المزيد من الصور والتفاصيل، مثلما صنع الشاعر جاسم الصحيح، في قصيدة “للحرب موسمها المماطل”.
كلما طالت القصيدة؛ تعددت دفقاتها الشعورية، هذا أحد أسباب اختيارنا للقصيدة؛ لكونها تميل إلى الطول، أمَّا السبب الآخر؛ فيعود لوضوح دفقاتها بصورة جلية، لتشكُّلها من أقسام، كل قسم يحتوي فكرة تنمو، وتشتجر بغيرها من الأفكار.
افتتاح القصيدة يتم باستحضار الحرب مباشرة، إذ الحديث عنها لا يحتمل التأجيل؛ بسبب ما تخلِّفه من مآسٍ، كونها “تمحو الفرق ما بين السنابل والقنابل”، فالأشياء متشظية، متبعثرة، وقيمة الحياة منخفضة إلى الحد الأدنى، حيث الأولوية لآلة الدمار الجهنميَّة، وليس لشيء آخر.
أمام أهوال الحرب، ومأساويتها، وما تُحدثه من دمار خارجي، وداخلي تبدأ الدفقة الشعورية وتستمر على امتداد المقطع الأول، حيث تكرار لفظ “الحرب” بداية كل بيت؛ تبيِّن الأثر النفسي، المتدرج من الخفوت إلى الشدة، فالصراخ، حتى تصل نهايتها في البيت التالي:
والحربُ حينَ تفيءُ
تحتاجُ اعتذاراً باتِّساعِ (البحرِ)
علَّ خطيئةَ (الحيتانِ) تغفرها (السواحلْ)
مع انتهاء الدفقة الشعورية؛ يهبط الأثر النفسي؛ ليعود لرِتمه الطبيعي، إذ الحرب وما ينتج عنها من مآسٍ، في حاجة إلى اعتذار البشر عن ارتكابها، حيث الاعتذار يمثِّل نهاية دفقة، وبداية أخرى، تنطلق بعدها، وتتخذها محوراً، يتكرر بداية كل بيت، وهنا تجدر الإشارة؛ إلى أن بناء القصيدة بهذه الصورة، هو أمر مقصود؛ يؤكده تطابق البناء الفني، في المقاطع التالية.
عن أي شيء يتم الاعتذار؟! تقدِّم القصيدة اعتذارها؛ لجمال الحياة، وبهجتها، ومصدر سعادتها، وهنا تتقاطع مع الرومانسية الحالمة، التي تمجد الذات، والطبيعة، وتعلي من شأن الوجود، ولهذا فهي تعتذر لـ: “أعراس الحياة – أوجاع التراب – أشجار الحقول – أقدام النساء – أحلام البنات – ميعاد الغرام”، وصولاً لنهاية الدفقة الثانية، حينها؛ يعلو الصراخ ويشتد، ويصعد حدَّه الأقصى:
عذراً لكلِّ حبيبةٍ
وقفت على نعشِ الحبيبِ
بملءِ دمعتها تُغازل
الدفقة الشعورية الثالثة، تبدأ بعد خفوت صراخ القصيدة الناجم عن الأثر النفسي، إذ تمهِّد لما هو آتٍ “وتحيَّةً للعاملينَ بلا مقابل”، ثم تأخذ بَعدها في التعداد: “للدمع – للآه – لضمادة الجرحى – لمحامل الموتى – للانتظار العائلي – للشعر”، وصولاً لنهاية المقطع، حيث يعلو الصوت، ثم يعاود الخفوت؛ استعداداً للدفقة التي ستأتي:
للموقنينَ – ولا يقينَ –
بأن نجم الحربِ آفلْ
للطيبين العابرين
إلى السلامِ كما السنابلْ
لا يشتكون إلى الرَّحى
ما كابدوهُ من المناجلْ
افتتاح الدفقة الشعورية الرابعة يتقاطع مع العنوان:
تمضي المواسمُ إنَّما
للحربِ موسمُها المماطِل
الأمر الذي يعطيها أهمية أكبر؛ حيث البؤرة النصيِّة تتركز خلالها، فالمعنى يتكثَّف، وصوت القصيدة يعلو، ويشتدُّ؛ في محاولة بيان مأساوية الحرب، ومقدار ما تخلِّفه من دمار، إذ:
الموت يزحفُ – والأرض يجرحها ارتياب الرمل – والأفق يغرقُ في الحديد
وصولاً لنهاية الدفقة:
الحرب أحجيةٌ
يباركُ طقسها الكُهَّان
يحتضنونها بالتمتماتِ وبالبخورِ وبالتوابلْ
بعدها الانطلاق لمحاولة فكِّ ألغاز أحجية الحرب، إذ تتشابه مع:
غراب يائس آتٍ.. وأطيارٌ رواحلْ
فالغراب معادل للحرب، أمَّا الأطيار الرواحل؛ فمعادل للضحايا، وبهذا تتجه القصيدة ناحية الرمزية الإيحائية؛ حيث تجعل “الغراب”؛ رمزاً للشرور والآثام والمآسي.
كيف تتوقف الحربُ؟! الحل يكمن في “الشعر”؛ الذي يُعيد تشكيل طِينة الإنسان، فيعجنها بـ”الحبِّ، حيث الحبُّ” والشعر توأمان، وهنا تصل القصيدة ختامها النفسي، فيعلو صوتها، ويرتفع، مستخدمة تقنية التكرار، التي ابتدأت بها:
لا بدَّ من شعرٍ” “يُهيئُ للطيور هناك أعشاشاً – يُعيدُ مسيرةَ المعنى لسكَّتها القديمة”، أمَّا ختامها الموضوعي فيمتدُّ أكثر؛ حيث يعود مذكِّراً بالحرب ومأساويتها:
والحربُ عاكفةٌ
وما زال الصليلُ بها
يوحِّد أبجدياتِ القبائل
الختام الموضوعي للقصيدة، يأتي عبر تكرار الشطر الأول من افتتاحيتها “الحرب حين تجيء”، وذلك لترسيخ النتيجة التي وصلت إليها، إذ في افتتاحها: الحرب “تمحو الفرق ما بين السنابل والقنابل”، بينما في ختامها: الحرب “تبني (كربلاءَ) الحزنِ من أنقاضِ (بابلْ)”، وهو ما يضع القصيدة في تقاطع مع المأساة العراقية، المستمرة منذ عقود.