بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من توصيات رسالة الإسلام الشرعية وتوجيهاتها الأخلاقية المشددة بإعطاء المرأة حقها وأنها كيان ذمتها مستقلة حالها حال الرجل. لا يزال بعضنا يعتبرها متاعاً وقت الحاجة وشيطاناً لابد منه. يصفها بناقصة عقل ودين والحق هي “أم” الجنة تحت أقدامها كيف نعاملها؟ أين نحن من قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً}؟ [الآيتان ٢٣- ٢٤] من سورة الإسراء.
لو لم نُكلف وجوباً العمل بهذه الآيات لأوجبنا على أنفسنا رد الجميل لمن أسدى لنا معروفاً جزاءً وإحساناً لما قدم وهو مؤكد دون تضحيات الأم من أجلنا؟ منا البار المُحسن الذي يرى نفسه مقصراً بحقها. منا الاتكالي “البعض معروف بتدينه” إذا رأى إخوانه أو آخرين يقومون بواجبها لا يسأل عنها أعلم أن برها واجب عيني عليك لا كفائي الكل مسؤول عنها والإحسان إليها.
ومن بيننا العاق حتى أخمص قدميه. قصة حقيقية أذكرها باختصار: ولد وحيد أمه متزوج عنده أولاد غاب عنها لا يرد على اتصالاتها تسأل عن أخباره بإلحاح من عارفيه فيردون أنه بسلام. أبلغوه عن سؤالها عنه لكنه غير مبالٍ هي في حيرة لا تدري إن كان مُصاباً طليقاً سجيناً أو ميتاً. بعد خمس سنوات اتصل وقال أنا عند الباب افتحِ. كم كانت فرحتها بقدومه “ولكن ليته لم يأت” دخل وجلس واضعاً رجلاً على أخرى والغليون بيده الرماد يتساقط على السجاد الدخان يلفح وجه أمه عيناه أشبه بضابط يحقق مع مجرمة خطيرة “مشهد غير طبيعي لوجهه وحركاته غير مقبولة” ودون مقدمات يقول: أنا محتاج لمبلغ عليّ إيجار إذا لم أسدده أُطرد، فردت عليه: لا أملك ما أعطيك. قال: الثلاجة والمكيف وأغراض الطبخ كيف اشتريتها؟ ومن أين تأكلين وتسددين الإيجار وتدفعين فاتورة الكهرباء؟ قالت: من الضمان والجمعية وفاعلي الخير فرد (بقول جاف): كل هذا من خيري عليكِ قالت: وكيف؟ قال نعم بمقدوري الآن أن أبلغ الضمان والجمعية فلا تُعطَين أنتِ غير مستحقة حتى تُطردي إلى الطريق كحالي بعد أيام. أطفأ الغليون بكأس شاي كانت قد قدمتها إليه وخرج. وهي تدعو الله أن يعود إلى رشده ماذا نسمي مثل هذا إلى أين نحن سائرون؟
الأم خط أحمر لا يجوز للولد محاسبتها وإن أخطأت بحقه ولا يقل لها أُف أو ينهرها وهذا يتمنى أن يراها على أرصفة الشوارع تأكل من فضلات ألقُيتْ. هي”زوجة” اللباس الذي يسترك تنجب لك أولاداً تربيهم هم زينة حياتك الدنيا. لا تفهم قيمومتك عليها تعني استعبادها تؤذيها تضيق الخناق عليها إلى أن تكدر عيشها تسلبها أموالها تأخذ رواتبها ترى منك الأمرين فتضطر إلى طلب فراقك. إن كانت صالحة امسكها بمعروف وإن صعب عيشك معها سرحها بإحسان “لا ننكر وجود زوجات لا يُحتمل العيش معهن” {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [14 سورة التغابن]. إنما العصمة بيدك اتخذ قرارك لماذا تجر أديالها ومِن خلفها أولادها إلى المحاكم لسنوات ولا يُعلم إلى متى وكيف الخلاص؟ تُخالف أمر الله وتفجر في خصومتك. هي “بنت” تدخلك الجنة إن أحسنت تربيتها. تقحمها في أعمال تجارية وتُراكم عليها الديون التي توقفها أمام الجهات الرسمية من حيث هي لا تعلم تعضلها لأجل مرتبها أو حتى لا يصل ما ترثه منك لزوجها كما تظن إن تُوفيتَ قبلها. لهذه مشاعر وغرائز عواطف أمومة إن فاتها اليوم لا ينفعها الغد.
هي “أخت” ترى فيك حنان الأب وغيرة الزوج وبر الولد أنت في نظرها الأسد الحامي لعرينها مِن أن يقرب منه أحد. أذكر موقفاً: أم لولدين توفي أحدهما فأرسل أخوها زوجته لا لتعزيها وإنما لتقول لها: كما فُجعتي بهذا أتمنى أن تُفجعي بأخيه. ليتضح فيما بعد أن سبب الخصومة مبلغ خمسين ألف ريال أخذها زوجها منه ولم يعدها إليه “لا ذنب للأخت” وغضب لأنها لم تتنازل له عن حصتها من تركة والدها. إلى أين وصلت الدونية بهذا؟ مهما بلغ الأمر وإن لم تكن لك أختاً وهي عدوتك لا تقف منها هكذا إنها مثكولة بفقد ولدها كيف وهي أقرب رحمك؟ “ليس في الموت شماتة”.
نقول رفقاً بالمرأة الصالحة إنها ريحانة إن قرُبتَ منها أو لامستها او شممتها نستك الهموم والآلام ونقلتك إلى عالم الجنان رفقاً بالقوارير.