أبا مصطفى، لسماحك وتسامحك، شكرًا

من حين لحين تهطل على غوادٍ سخية من أحبة أسخى، تأبى سجية النبل فيهم إلا أن تظلَّني بوارف لطفها، وسجسج كرمها، تارة ترفع خفيض شأني، وأخرى تطرِّي خشن يبابي، فتسميه شعرًا تسامحًا منها بإطراء شيء ليس فيه من عبق الشعر إلا ما تنفَّس بنَثا الأرض، وأرج ليمونها وميس ماجِيِّها.

من هؤلاء الأعزة جناب أخي الجليل الشيخ محمد أبو زيد، بما خطته يراعته الأنيقة في صحيفة القطيف اليوم، وهو إطراء لا أستحقه يقينًا، لا أقولهذا تواضعًا يشهد الله! فقد غنيت بمثله في غيرمناسبة وموضع، وإني لأحبُّ ترداده لشد ما هو أثيرٌعندي، حتى وإن عُدَّ فاترًا مهينًا عند فاتري الحس الوطني، ماقتي أنفسهم وناسهم، فاتْلُه معي، إن كنت من سِنْخي، فخورًا بأرضك حدَّ الغرور، وإلا فأعرض عنه معذورًا غير مذمَّم:

مَا ذَا يُكَافِئُ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَنِ؟
يا مَشْتَلَ الْعِشْقِ، يَا نُوَّارَةَ الْمُدُنِ؟

وَمَا عَسَى أَنْ تُوَفِّيْ الْفَرْضََ عَافِيَتِيْ​
وَلَيْسَ لِيْ غَيْرُ هَذَا الْقَلْبِ يَا وَطَنِيْ؟

يَا ضَفَّةً قَامَتِيْ مِنْ مَيْسِ نَخْلَتِهَا
​وَسَحْنَتِيْ مِنْ غَوَادِيْ مُزْنِهَا الْهَتِنِ

مِنْ صَحْوِ كُثْبَانِهَا كُحْلَيْ، وَوَشْمُ يَدِيْ​
مِنْ مَوْجِهَا نَشْوَةُ الْأَحْلَامِ فِيْ وَسَنِيْ

لَا عِشْتُ تَرْتَجِلُ الْأَنْوَاءَ قَافِيَتِيْ​
إِنْ لَمْ أَعِشْهَا تَبَارِيْحًا تُضَرِّجُنِي

* * *

إنِّيْ، وَإنْ هَدْهَدَتْ رِيْحُ الصَّبَا هُدُبِيْ​
وَضَمَّخَتْ رُدْنَ ثَوْبِيْ، وَاْزْدَهَتْ فَنَنِيْ

أَوْ مَسَّ رَدْحُ شَذَاهَا نَبْضَ أَوْرِدَتْي​
فَلَنْ تُشَدَّلَهَا كَفٌّ عَلَى رَسَنِيْ

فَبِعْ تُرَابَكَ، لَا تُشْغِلْكَ مُعْضِلَتِيْ​
دَعْنِيْ هُنَا، مُطْبِقاً صَدْرِيْ على وطني

* * *

هَذَا أَنَا، مِنْ نَجِيْلِ السِّيْفِ أَنْسِجَتِيْ​
وَفِيْ ضُرُوْعِ الدَّوَالِيْ مُوْثَقٌ بَدَنِيْ

وَمِنْ يَنَابِيْعِ أَرْضِيْ عُنْفُوَانُ دَمِيْ​
وَمِنْ سَنَا شَمْسِهَا مُستَجْلَبٌ لَبَنِيْ

وَمِنْ رَفِيْفِ شَذَا لَيْمُوْنِهَا نَفَسِيْ​
وَمِنْ يَمَامَاتِهَا الْفُصْحَى صَدَى لَسَنِيْ

بَيْتِيْ الْمُخَبَّأُ فِيْ أَزْهَىَ خَمَائِلِهَا​
مَا زَالَ – رَغْمَ ضَنَى أَيَّامِهِ – سَكَنِيْ

وَمَرْبَعِيْ غَيْمَةٌ كَالْخِلْبِ نَاشِرَةٌ
​بَوْحَ الصَّبَابَاتِ فِيْ الْآكَامِ وَالدِّمَنِ

تَطْوِيْ صَبَاحَاتِهَا فِيْ رَمْلِ نَاضِرَةٍ
​وَفِيْ الْعَشِيَّاتِ يَطْوِيْهَا أَبُوْ مَعَنِ

فَإنْ جَفَاهَا بِشُطْآنِ الْجُبَيْلِ كَرًى​
تَكَحَّلَتْ فِيْ رُبَى سَيْهَاتَ بِالْوَسَنِ

أَوْ خَيْمَةٌ فِيْ رُبَى صَفْوَى مُطَنَّبةٌ
​ُدْنِيْ السَّنَابِسَ وَالدَّمَامَ مِنْ حَضَنِ [1]

وعِشَّةٌ كَابَدَتْ وَجْدِيْ، وَمَخْمَصَتِيْ
مَا زَالَ يَغْفُوْ عَلَى أَكْتَافِهَا غُصُنِيْ

وَلِيْفُ مَاجِيَّتِيْ الْمَجْدُوْلُ مِنْ سَهَرِيْ​
مَا زِلْتُ أَغْسِلُ فِيْ أَشْجَانِهِ شَجَنِيْ

وَلَفْتَةٌ أَشْعَلَتَ تَوْبِيَّةٌ كَبِدِيْ​بِ
وَقْدِهَا – بَعْدُ – مَا تَنْفَكُّ تُشْعِلُنِيْ

وَلَثْغَةٌ سَبْسَبَتْ دَارُوْشُ نَبْرَتَهَا ​
مَا زِلْتُ أَحْمِلُهَا نَقْرًا عَلَى أُذُنِيْ

إنْ دَنَدَنَتْهَا تَمِيمٌ فِيْ مَضَارِبِهَا​
غْفَتْ عَلَيْهَا بَنُوْ بَكْرٍ وَذُوْ يَزَنِ

أَوْ نَسْمَةٌ سَافَرََتْ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ حَلَبٍ
​تَلْقَاءَ نَزْوَى، رَسَتْ سَكْرَى عَلَى رَدَنِيْ

أَوْ مَوْجَةٌ نزَّ مِنْهَا الْوَجْدُ فَاحْتَضَنَتْ
​سِيْفَ الْمَنَامَةِ، وَالْتَفَّتْ عَلَى عَدَنِ

فَهْيَ الَّتِيْ عَاشَ مِجْدَافِيْ يُعَانِقُهَا
​بِشَطِّ جِدَّةَ يَشْكُوْهَا أَذَىْ الزَّمَنِِ

مَا زِلْتُُ – مُنْذُ تَفَشَّى وَهْجُهَا بِدَمِيْ ​
وَمَا تَزالُ – أُغَنِّيْهَا، وَتُعْتِبُنِي

مِنْ أَوَّلِ الْوَجْدِ مَا انْفَكَّتْ تُخَاصِرُنِي​
تَحْنُوْ عَلَيَّ، وَتُغْرِيْنِيْ، وَتُلْهِمُنِيْ

وَالْيَوْمَ تُكْمِلُ مَا اعْتَادَتْ مَوَاسِمُهَا الْـ​ـحُبْلَى
فَتَهْطِلُ فِي رَوْضِيْ، وتَغْمُرُني

فَمَا الَّذِيْ فِيْ يَدِيْ حَتَّى أَرُدَّ لَهَا​
مَا ذَرْذَرَتْهُ عَلَى رَأْسِيْ مِنَ الْمِنَنِ؟

لَوْ كَانَ لِيْ أَلْفُ قَلْبٍ تَحْتَ خَاصِرَتِيْ​
تَضُمُّهَا، وَتَمَادَتْ بِيْ خُطَى زَمَنِيْ

لَمَا وَفَيْتُ بِنَزْرٍ مِنْ فَرَائِضِهَا​
حَتَّى تُرَى سَاجَتِيْ يَغْفُوْ بِهَا كَفَنِيْ

هذا ومثله هو ما اعتده وأفخر به، تمنيت لو كانت حياتي قصيدةً​ أغني بها أهلي، أغني بها صفوى

لو لاك، تاروت، هل غنى الهوى وتري؟
​يومًا؟ وهل رفَّ قيثاري؟ وهل عزَفا؟

وهل أبحت لزندي خصر فاتنة؟
​لو لم أوسدكِ أنت الصدر والكتفا؟

يا عقدة الدمع في جفني، كفى عتَبًا
​لو لا رسوبك في جفني لما طرفا

وما عداه فلهو صِبا، ودندنات هوى.

كل الشكر لك أبا مصطفى ولكل من يحمل بين أضلاعه هم هذا التراب الطهور.


([1] ) حضن: جبل في نجد.


error: المحتوي محمي