لغة الصراع هي طريقة تفكير يتعامل بها كثير منا عند النظر إلى ما يواجهه من عراقيل وعثرات تمنعه من إكمال مسيره، وتنشأ هذه الطريقة من تفسير كل ما يعترض طريقنا بوصفه خصمًا ينبغي التغلب عليه. وفي تلك اللحظة تغيب عنا لغة الهدوء وضبط النفس، ونستحضر لغة الانفعال والعاطفة العمياء في رسم صورة معينة للمشكلة أو للموقف الصعب، فنستحضر منطق الصراع قبل أن نستحضر لغة الفهم والإدراك لحقيقة الموقف وتداعياته وأبعاده، وقبل التفكير في الكيفية المناسبة للتعامل معه. وهكذا يتهيأ الإنسان لمواجهة متسرعة قبل أن يتأمل حقيقة ما يواجهه، وكيفية التعاطي الأمثل معه.
وهذه الطريقة في التفكير والتعامل من أبرز الخدع التي تمارسها النفس حين تضيق بالرؤية، وتنظر إلى الأمور بعين الصراع والاندفاع قبل تكوين صورة واضحة لما يواجهه الإنسان من عراقيل وعوائق، فتختزل الواقع في ثنائية لا ثالث لها: منتصر أو مهزوم، عدو أو صديق. وهذا التصنيف الثنائي للأمور، وكذلك للعلاقات، يخالف الواقع تمامًا، ويدفع الإنسان إلى اتخاذ موقع خاطئ في كثير من مواقفه وتصرفاته.
غير أن هذه القراءة الثنائية لما حولنا من إمكانات وعلاقات ليست إلا محض خطأ؛ فالأمور لا تجري بهذا الاتجاه، بل إن كل موقف يحمل دلالة يمكن الاستفادة منها، ولو بعد حين. فالحياة أعمق من هذا التصنيف المتسرع، الذي يجعلنا نسير برجل واحدة في طريق طويل.
وليست كل عقبة تمثل جدارًا أُقيم ليمنع العبور، أو سدًا يحول بين الإنسان وبين أهدافه التي رسمها، حتى تكون الطريقة الأنسب في التعامل معها هي الاقتحام والمواجهة، من دون دراسة لطبيعة الموقف وتداعياته ونتائجه قبل الإقدام على أي خطوة. فقد يكون ما نراه جدارًا مانعًا ليس إلا علامة تدل على أن الطريق يحتاج إلى قراءة جديدة، ونظرة أكثر شمولًا، ربما أغفلنا فيها بعض الجوانب والعوامل، أو أن طريقة السير نفسها تحتاج إلى مراجعة وتصحيح ليكون المسير أكثر رشدًا وفاعلية.
فإن كثيرًا من الأزمات ليست ــ في حد ذاتها ــ خصومة مع الإنسان حتى يستعديها ويتخذ منها موقف المحارب، وإنما هي رسائل تربوية تكشف له مواضع الخلل في تصوراته، أو نظرته، أو آليات تنفيذه، أو قراراته، أو أولوياته. فالمشكلة لا تأتي دائمًا لتكسر الإنسان، أو لتخرّب ما يخطط له ويرسمه من أهداف وتصورات، بل قد تأتي لتكسر أوهامه، وتخفض سقوف توقعاته التي لا تتناسب مع قدراته أو إمكاناته، فتحرره من مسار ربما لو استمر فيه لما قاده إلى الآمال التي يطمح إليها.
والعقل الواعي لا يندفع إلى مقاومة العوائق ومهاجمتها تلقائيًا، بل ينظر إلى الحدث وكأنه علامة استفهام، أو سؤال يُراد منه أن يبحث عن جوابه. فإن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح أبوابًا من الوعي لا تفتحها ردود الأفعال المتسرعة، وتتبلور من خلالها حقيقة الحدث وتداعياته، وكيفية التعامل معه بعد دراسته دراسة واعية. فكأن هذه الأحداث أكمة تخفي وراءها حقائق وعوامل قد تكون غائبة عن الإنسان، فيغدو التعثر معلمًا، والأزمة درسًا من دروس الحياة، لتصبح الخسارة الظاهرية، أو العائق المؤقت، بداية لمسار جديد من الإنجاز. فظاهر الموانع ليس دائمًا مرآة لحقيقتها، بل قد يكون دعوة إلى إعادة قراءة الموقف، وفهمه على نحو أعمق، قبل التفكير في مواجهته.



