لماذا كل هذه الاتهامات.. والطماطم منها بريئة؟  

ماذا يعني القول إن الطماطم ملوثة بالهرمونات؟ يعني هذا تجنب أكل الطماطم.

لا يمكن هنا إبداء الرأي من وجهة مخبرية والتي هي أساس الإثبات، كما أنها ديمومتي التي أستند عليها عند طرح مثل هكذا قضايا صحية وتغذوية.

ولكون فحص الفواكه والخضراوات من اختصاص وزارة البيئة والمياه والزراعة، لم يكن لدي اطلاع على مدى إمكانية فحص الهرمونات والمضادات الحيوية في مختبراتهم، ولكن سمعنا عبر وسائل الإعلام نفي الوزارة، أن ما تردد بوجود هرمونات ضارة في الطماطم، غير صحيح.

• أريد أن أشيد بدور الهيئة العامة للغذاء والدواء عندما جرى التنسيق بينها وبين وزارة البيئة والمياه والزراعة، بنقل مهام الرقابة وسلامة ومأمونية الخضراوات والفواكه الطازجة، اعتباراً من تاريخ 2019/ 07/04م، لأنها تملك مختبرات مجهزة بالكوادر الفنية المدربة، والأجهزة التحليلية المتقدمة، وسيكون فسح الخضراوات والفواكه الطازجة من مهام الهيئة، ومن ذلك التاريخ ستخضع الفواكه والخضراوات الطازجة للفحص المخبري للتأكد من خلوها من الملوثات، وبقايا المبيدات الحشرية، والمركبات الضارة بالصحة، والسموم الجرثومية، وكانت مختبرات الهيئة دورها فقط فحص الأغذية المصنعة والمحفوظة.

من هذا المنطلق أود أن أقول: إنني أعطيت الأمر حقه من جهد واهتمام بواسطة البحث العلمي والميداني مع أخذ آراء من هنا وهناك حرصاً على أن تكون نتيجة الاستنتاج ترتكز على واقع علمي يزيل كل الالتباس والغموض والهواجس لدى الناس.

“اللون الأبيض في النسيج الداخلي لثمرة الطماطم دليل على تلوثها بالهرمونات الضارة بالصحة ويجب التخلص منها”، هذا ما تم تداوله عبر قنوات التواصل، وسبب ذلك ذعرًا وتخوفات بين الناس، إذاً ما حقيقة ذلك؟

في البدء أرى لزاماً عليَّ أن أقدم شرحاً مفصلاً عن الهرمونات النباتية؛ خصائصها والدور التي تقوم به إيجابيا أو سلبياً على الصحة.

زاد انتشار واستخدام المبيدات والأسمدة الكيمياوية والمغذيات الاصطناعية والمضادات الحيوية والهرمونات وغيرها من الوسائل التي يتبعها أصحاب الحقول والمشاريع الزراعية، وهي ثقافة سوقية قائمة على أكبر ربح في أسرع وقت وبأي أسلوب كان.

يكمن ذلك فيما تحمله تلك الكيميائيات من مخاطر على صحة الإنسان والحيوان في حالة استعمالها بشكل عشوائي غير مدروس في كثير من الأحيان، زد على ذلك غياب أو شبه غياب الجهات الرقابية والإرشادية المعنية بتلك الحقول والمشاريع الزراعية.

قد أثارت مسألة استخدام الهرمونات النباتية ضجة كبرى، خاصة أن كلمة هرمون تقترن في أذهان الغالبية العظمى من الناس بالهرمونات الحيوانية، وما لها من أضرار على الصحة العامة لكونها من الملوثات الغذائية التي تدخل الجسم عن طريق تناول لحوم وألبان حيوانات تمت تغذيتها على أعلاف أو إضافات علفية مطعمة بالهرمونات.

هنالك بعض الإيضاحات حول الهرمونات النباتية، والتي تعتبر مركبات عضوية غير غذائية تؤثر على مظاهر نمو النباتات المختلفة بتركيزات ضئيلة وتتكون طبيعياً في النبات، وحينئذ تسمى منظمات النمو مثل “الاكسينات – والجبرلينات – والكينينات – والايثلين”،، وتنتج طبيعياً في النباتات الراقية، وتنطلق تركيزاتها الضئيلة النمو، والعمليات الفسيولوجية من المناطق المرستيمية في النبات مكان نشاطها، بعيدة عن مكان تكوينها ليتم إحداث التأثير.

والذي يهمنا هنا ليست الهرمونات النباتية التي تنتج طبيعياً ؛ وإنما الهرمونات النباتية التخليقية “محفزات النمو الاصطناعية”، التي تستخدم في عمليات البستنة في الحقول والمزارع، برشها على البذور والبادرات والأزهار لتحسين جودة الإثمار.

لقد كانت ثمار الطماطم من المحاصيل التي شهدت سلسلة من المعالجات الكيميائية أثارت جدلاً واسعاً من أجل إكسابها صفات أفضل مثل وفرة الإنتاج، وكبر الحجم، والنضارة، ومقاومة الطفيليات والأمراض، وإطالة مدة بقائها صالحة للاستعمال، وغيرها من الصفات المرغوبة.

فهل هذه الثمار آمنة – أم يمكنها أن تحمل ضرراً لمن يأكلها؟

مما لا شك فيه أن الخواص الطبيعية للثمرة تتأثر بالمعالجة الكيميائية، ونحن معرضون للآثار السيئة على الصحة العامة جراء تناولها، ولكون الأسواق مليئة بمثل هذه النوعيات من الثمار، وليس لدينا وسيلة للاستدلال على محتواها من الملوثات بالشكل الظاهري أو بالخواص الطبيعية، وإنما بالفحص المخبري، والسبيل الوحيد لحماية أنفسنا من تأثير تلك الكيميائيات والملوثات هو تشجيع الزراعة العضوية.

إن الاعتماد على المظهر الخارجي أو الخواص الطبيعية من لون وطعم ورائحة وقوام، لإصدار حكم على مدى تلوث الثمرة، دليل غير مقنع علمياً، يخضع للتخمين، وهذا يندرج تحت ظاهرة العبث والتضليل، وإذا وضِعَتْ في إطار الاجتهاد فهي معرضة للصواب والخطأ، لكنها أقرب إلى الخطأ منها إلى الصواب، ظناً من متبنيها أن الخبرة قد تشفع له بإصدار الحكم أو القرار.

يحرص المزارعون، وأصحاب المشاريع الزراعية، على تسويق محاصيلهم الزراعية في أوقات معينة من السنة لكثرة الطلب وارتفاع الأسعار، إلا أن ذلك يحكمه درجات العرض والطلب والمنافسة، وفي أجواء المنافسة قد يضطرون إلى تخفيض الأسعار بسبب زيادة المحصول، وحتى لا يكون مصيره التكدس والتلف الكامل.

من هذا المنطلق يلجأ أغلب المزارعين إلى قطف محاصيلهم قبل نضجها لضمان تداولها وتسويقها لفترة أطول قبل تلفها.

وثمار الطماطم سلعة قابلة للفساد، خصوصاً في أجوائنا القاسية من حرارة ورطوبة مرتفعة، وهذا يتطلب بعد جنيها؛ حفظها في مخازن نظيفة ومعتدلة الحرارة لتستكمل نضجها، ومن ثم تحفظ في برادات أو مخازن مبردة، مع تجنب زيادة النضج المبكر أثناء النقل والتداول قبل تسويقها.

يتم التعرف على درجة نضج الثمرة من خلال لون القشرة الخارجية ومقدار العصارة المائية والبذور الزلالية.

وتمر عملية النضج بخمس مراحل: المرحلة التحويلية – الوردي الفاتح – الوردي إلى البرتقالي الفاتح – برتقالي إلى أحمر فاتح – أحمر.

كل مرحلة من تلك المراحل مرتبطة بتغيرات فسيولوجية للثمرة، ويحكم تلك التغيرات درجة الحرارة التي يجب أن لا تزيد على 25 م°، مع تطبيق نظام ضبط الجودة في المخازن كدوران الهواء “التهوية” والرطوبة وشدة الإضاءة، تلك الظروف ملائمة لاستكمال نضوج الثمرة.

تبدأ من القشرة الخارجية بالتغير التدريجي من اللون الأخضر المائل إلى البياض إلى الزهري إلى أن يتكامل النضج الظاهري بالاحمرار، ويتبعها امتداد التغير في النسيج الداخلي من البياض إلى الزهري ويتكامل النضج الداخلي بالاحمرار.

هنا تظهر علامات النضج بإتمام التغييرات اللونية، وزيادة العصارة المائية، والحبيبات الزلالية، وهو الشيء المحبب والمرغوب للمستهلك.

وعندما تتعرض الثمرة لاضطرابات ناشئة من ارتفاع درجة الحرارة واختلال معايير نظام جودة التخزين، يظهر لنا ما يسمى “فسيولوجية اضطرابات اللون” بين القشرة الخارجية وقلب الثمرة، فتظهر علامات النضج على القشرة، بينما قلب الثمرة يظل في حالة تباين بين البياض والاحمرار.

فوجود البياض النسيجي وقلة العصارة المائية والبذور والقوام الليفي الصلب، دلالة على عدم اكتمال النضج، نلاحظ ذلك في أغلب الطماطم المستورد، وقد لا نشاهد ذلك الاضطراب اللوني في المنتج المحلي لسرعة التداول وزيادة الطلب، وفي البيوت المحمية لتوفر الظروف المناسبة لإنضاج ونضارة الثمرة دون الخوف من التقلبات المناخية التي تؤدي إلى تلف النبات بأكمله أو تشوه وضعف الثمار.

من هنا نجد أنفسنا أمام تساؤل هام؛ ما حقيقة بين ما يشاع وما هو واقع علمي؟

يظهر ذلك من خلال الاستدلالات أو الحيثيات التي ترتكز عليها المفاهيم أو الآراء المطروحة، فالحكم على تلوث ثمار الطماطم بالهرمونات النباتية “منظمات النمو التخليقية” اعتماداً على مفاهيم أو معطيات مغلوطة يضعف وسيلة الإقناع.

البياض الذي يظهر على النسيج الداخلي لقلب ثمرة الطماطم نكاد نراه في أغلب الثمار وتتفاوت درجته حسب مقدار العصارة المائية والحبيبات.

نحن لا نرى خطرًا من استعمال منظمات النمو الاصطناعية، ولا يمكن ربطها بتلوث الثمار لكون مراحل المعالجة بهذه الهرمونات تستهدف البذور لإسراع الإنبات، والبادرات لتشجيع اكتمال النمو، والإزهار لتحسين عقد الأزهار وزيادة نسبة الإثمار.

ولأن النبات يتخلص من المادة الهرمونية النباتية التخليقية بعد تمام التفاعل بواسطة عمليات التحلل والهدم، وبالتالي تفقد فاعليتها بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام.

هكذا نستطيع القول إنه لا تلوث هرموني لثمار الطماطم، كما أن بياض قلب ثمرة الطماطم هو مجرد إشارة لعدم استكمال نضوجها.

منصور الصلبوخ – اختصاصي تغذية وملوثات