السلالم والثعابين/6

بُنىَّ: ونحن نمشي تحت زخاتِ المطرِ في اعتدالِ الربيع هلا لعبنا لعبة الحَجر والوَرق والمِقص؟ عُدَّ أنتَ من واحدٍ إلى ثلاثة ثم كلانا سريعاً ننطق كلمةً، إمّا “ورَقةً” أو “حجَرًا” أو “مقصًا” ونُمثل ما نختار بأيدينا، وأحدنا يفوز: الحجرُ يكسر المقص والورق يغطي الحجَر والمقص يقص الورق. هل تعرف ما يهزم ويكسر كل شيء في الحياة؟ إنه بندولُ الساعة الذي لا يتوقف عن الطرق ويهزمنَا كلنا!

حكايتي مع الوقتِ بدأت عندما ولدتني أمي في جزيرةٍ صغيرة، كانت الساعةُ فيها رملًا، حجرتينِ من زجاج فوقَ بعضهما وبينهما ثقوبٌ ضيقة، أملأُ الحجرةَ العليا بالرملِ الناعم الذي يهرب نحو السفلى بعد أن أقلبها، تمتلئ الحجرةُ السفلى وأعيدُ الرملَ للعليا. وهكذا كان الوقتُ يمر بطيئاً من الصباحِ للمساء وقيمته الرمل. لا شيء يشغلني سوى قتل الوقتِ في انتظارِ أن أكبر. في الصف الأول كنت لا أطيق الانتظار حتى ألحق بالكبار، وفي صفوفِ الجامعة كان يؤرقني متى أبدأ العمل، ومتى أتزوج، ومتى يأتي الصغار. وبعدها متى أترك العملَ لأصير دون قيود؟ أسئلةٌ لا تنتهي. أما الآن فالسؤال الذي يؤرقني اليوم كيف سيكون الغد في عالمٍ سريعٍ متغير لا يكاد يبدأ حتى ينتهي، وكيف سيكون الغد لمن بعدي؟

وعندما أمسيتُ شاباً صارت الساعة تمر أسرع ثم أسرع والآن: هل تبيعني عمراً ثانياً وتأخذ الذهب؟
في ذهنِ الإنسان أن كلما استكثر من الأشياء قلت قيمته. ليس للوقت قيمة فهو مادةٌ لا تفنى، كان قبلنا ومعنا وسوف يكون بعدنا، ولكن قيمته فيما نفعل فيه. مثل ذلك مثل الجوهرةِ التي أخفيناهَا في صندوقٍ تحت الأرض فسوف تبقى جوهرةً غاليةَ الثمن والصندوق لا قيمةَ له أو العطر الرديء الذي وضعناه في قارورةٍ فاخرة سوف يبقى كما هو.

بنيَّ: إن لم تعرف قيمةَ الوقتِ فاسأل عنه من ماتوا، وكم تمنوا أن يعودوا. أنت شابٌّ ابتهج وامرح، هذه سنة الحياة أن يحب الشاب الفرح، لكن لا تكن تافهاً تقتل وقتك الثعابين، وتدوسَ في حقوله المورقة الحمير. اعمل في وقتك ما أحببت، ولكن لا تعمل شيئاً تنظر إليه في قادم الأيام وتتمنى أن تمحوه من ذاكرتك.

الوقت والزمن هو السلعة التي لا يشبع منها البشر ولن يستطيعون تداولها في الأسواق. ولو استطاعوا تداولها لن يبيع أحدٌ من التعساءِ والصعاليك والفقراء أعمارهم لأنهم يحدوهم الأمل ويسوقهم إلى أن يكونَ مستقبلهم أبهى وأجمل. في شبابنا نلاحق المالَ والغبطةَ ولذاتِ الساعة وكلها لا بأس بها، ويفوتنا أشياء لن نستطيع ملاحقتها بعد أن نسكنَ إلى أيام الشيخوخة ومتاعبها.

بُنىَّ: نحن مثل الشجر الذي عليه ورقٌ في عددِ الأيام التي كتبها لنا الله، تأتي رياحُ الخريف وترميها بعيداً، لا تستطيع الشجرة أن تستعيدها. لم يَصدقك من قال إن العمرَ يساوي المالَ أو الجواهر، إذ أن العمر لا يعادله إلا العمر. وفي هذا العمر ترمي لنا الأيامُ في رخائها سلالمَ نرقى درجاتها ونبقى بعد موتنا، وفي خشونتها أفاعٍ نحذر من أن نطأهَا بأرجلنا فنموت. إن استطعت أنتَ أن تكون سلماً لنفسك ولغيرك ترتقون به فخيراً صنعت، وإلا فحاذر لعنةَ الأيامِ إن كنتَ من الأفاعي.