غذاؤك وأنت

في كتاب “ملفات الأغذية السوداء” لمؤلفه الصحفي الفرنسي – جان – كلودجاييت – في هذه الملفات كشف لنا الكاتب جانب من جوانب الغذاء المعاصر ووصفه أنه مريض.

نعم مريض بحجم التجاوزات والفضائح الكبيرة التي كشفت في مجال الأغذية الزراعية ومنتجاتها المصنعة، وصف الغذاء المعاصر بأن “لا علاقة له بدورة الطبيعة”.

هي محاولة للكاتب إظهار ما يجري في الخفاء في مجال تصنيع الغذاء، والذي تسبب بأمراض وأوبئة خطيرة للإنسان أينما كان، كل ذلك بهدف مرابح مادية، كاشفًا عن الكثير من الأسرار التي تكتنف تلك الفضائح في عالم تجارة وتصنيع الغذاء.

الكتاب يحتوي على حوادث مدوية تقشعر لها الأبدان، ولسنا بحاجة إلى متابعة كل ما ورد في الكتاب، لكن المهم النتائج المخيفة والخطرة والصورة غير المشرقة بوصف عملية التصنيع الغذائي “مريضة”.

هناك إذن خطر خفي ولكنه حقيقي، هناك غدر وخيانة، عالم من الثقة تهاوى، لم يعد أي شيء كما كان.

فطالت المحرمات كل ما يدخل أجسامنا، أغذية متخمة بالكيمائيات والسموم والمواد الضارة وأمراض خطيرة وتجاوزات محظورة وممنوعة، وجميع تلك الأسواء والآلام والتحديات التي نعانيها تعزى إلى الحياة العصرية التي نحياها، دخلت على موائدنا وأتلفت طعامنا.

“لكي نغذي جسمًا حيًا، يجب أن تعطيه أطعمة حية”.

تناول كل شيء طازج، تناول كل شيء مملوء بعناصر النمو.

إن صحة الإنسان هي أغلى وأهم ما يمتلكه في حياته لأنها مرتبطة ببقائه ووجوده وقدرته على مواجهة متطلبات الحياة، وهاجس الصحة والمرض مشكلة المشاكل التي أصبحت مصدرًا لبلاء الإنسان، وألدّ أعدائه، وسببت له الخوف والويلات، والعديد من الأمراض.

فيما مضى كانت الأحوال بسيطة، والكثير ممن كانوا يعانون الفقر يحلمون بتناول اللحوم والدجاج والأسماك يوميًا، وكان الاعتماد على الحبوب والخضراوات والخبز الرخيص، كانت الحياة مقننة ومحسوبة، وإذا كان من الممكن أن نأكل اللحم مرة في الأسبوع ونعتمد على الخضراوات والحبوب لدواعي الحال، فسنكون اكثر قوة وأحسن صحة، وسنشعر بطعم الحياة ألذ وأطيب.

يومًا بعد يوم ترتفع وتيرة الحديث عن الأطعمة الأكثر فائدة، وغالبًا ما يتسم هذا الحديث بنبرة توحي بأن التوجه إلى الطبيعة المبتعدة عن كل مؤثر كيميائي يتضمن حسنة نفتقدها في وقتنا الحاضر.

من هنا فإن التعاطي مع هذا الجدل لإيقاف سهام التشكك، لابد أن يحمل أكبر كم من الدقة العلمية والخبرة العملية احترامًا لعقول الناس، وحرصًا على صحتهم وحفاظًا على المصداقية باعتماد لغة العلم التي لا تعرف إلا وجهًا واحدًا للحقيقة!

ما إن بدأ الإنسان يطمئن لمستقبل غذائه بفضل التقدم التقني ، إذا به يجد نفسه مواجهًا بخطر جديد لم يكن يتوقعه، أصبح هناك عدو يهدد صحته.

كما يبدو للكثير وجود نجاحات كبيرة على حساب صحة الإنسان نتيجة التراكمات السلبية والمضاعفات، وأخطرها التأثير على مناعة الجسد.

أغلب الأغذية تعرضت إلى تغيرات سلبية أثرت على القيمة الغذائية وسلامتها نظرًا لتفشي استعمال التقنيات الحديثة التي أثارت جدلًا واسعًا من جراء تداولها.

التقنيات التي قلبت الأرض وحرثتها لتدفع لنا بإنتاج غذائي مهول بحجة مواجهة الطلب المتزايد تداوله، لكي تفي بحاجات السكان، وكم شاهدنا تشابك هذه التقنيات بالغذاء بعد إخراجه من الأرض ودخوله أفواهنا، فصالت وجالت في أسرار اجسامنا، وعاثت بصحتنا، وما كان لنا خيار فيما يحدث سلبًا وإيجابًا، أو ليست الأمور محفوفة بالشهوات، شهوات لذة الطعام!!

التقنية أحدثت أمراضًا وأفرزت سمومًا وما تركته نقيًا من الطبيعة كما كان فيما مضى، أصبح ملوثًا.

منذ الأزل، عرف الإنسان كيف يؤمن لنفسه الغذاء “الأنسب والأسلم والأفضل” بدافع شهية الحاجة وحب البقاء، متأثراً بالجغرافيا والطبيعة، وما تقدمه له من غذاء، فاعتمد في تجهيز طعامه على الخامات المتوفرة في بيئته، من شمس، وهواء، وماء، وتربة، مثل هذه العناصر الطبيعية أعطت كل ما تجود به الأرض من أطعمة طازجة مليئة بعناصر النمو، والمشبعة بنور الشمس وبالعصارات الحية.

الاتجاه إلى النعم التي جاد الله بها علينا والتي وفرت الموارد والمغذيات الطبيعية والمقومات اللازمة لتكامل الغذاء بعناصره الكاملة، قدمت أفضل الأطعمة التي يمكن أن تجعلنا نشعر بالعافية، هو الملاذ لتجاوز المظاهر السلبية، وتحقيق مقومات الحياة.

الأطعمة الطازجة المنتجة من الطبيعة النقية تتميز بالنكهة الطيبة والطعم المستساغ، والأهم من ذلك القيمة الغذائية، فهي تزودنا بالقوة والمناعة والصحة، وهذا ما كان حال غذاء جدودنا – وجدوا بهجة الحياة بالصحة التامة، ومن الطبيعي أن يكونوا رجالًا أقوياء مفعمين بالحيوية والنشاط دون كلل.

إن كل ما تدفعه لنا مزارع اليوم ومصانعه ما هو إلا مصائب تحمل كل ضرر وفساد وسموم لأجسامنا، وخير شاهد ما جاء في كتاب “ملفات الأغذية السوداء” وما قدمته الأبحاث وكشفته المختبرات.

ونحن في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء كشفنا الكثير منها.

نحن لا نريد أن نخيف أحداً بل العكس نرغب أن نضع الحقائق، مما يبعث على الاطمئنان فيما نأكل ونشرب.

فاللحوم ومنتجات الألبان من أبقار معالجة بالهرمونات، ومغذية بدخان حرق النفايات “الديوكسين” وبأعلاف مكونة من مصادر حيوانية، وما ترتب على ذلك من أمراض مثل جنون االبق، والجمرة الخبيثة، وإنفلونزا الطيور ، والأسماك مدجنة مليئة بالهرمونات والمضادات الحيوية ومعلوفة بالعلف الصناعي، واللحوم المجهزة أو المصنفة كالسجق والهمبرجر، هي من بقايا لحوم بائرة ومعاملة بأملاح النيترات، والزيوت مهدرجة وملوثة بالمركبات الهيدروكربونية العطرية متعددة الحلقات المسرطنة، والأسماك المعلبة والمجمدة ملوثة بالهستامين والمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق والكادميوم.

والأغذية المحفوظة والمعالجة مزجت بإضافات اصطناعية ضارة، والمشروبات الغازية مليئة بالمحليات الاصطناعية وحمضي الفسفوريك والستريك اللذين يمزقا الأمعاء، والمياه المعبأة ملوثة ببرومات البوتاسيوم ومعالجة بمواد ضارة ، والمحاصيل الزراعية فيها بقايا مبيدات حشرية وأسمدة كيماوية ونفايات مشعة، والمكسرات ملوثة بالسموم الفطرية، والحبوب معدلة وراثياً.

نعم عملية تصنيع الأغذية تحولت إلى عملية مريضة.

نرى الكم الهائل من الأغذية المصنعة في أسواقنا، مما يصعب على المستهلك الاستغناء عنها، وتأقلمه مع الواقع وإيقاعات الحياة الحديثة ، وأجبرت الكثير على القبول بها دون الاهتمام بالقيمة الغذائية والاشتراطات الصحية وسلامة الغذاء.

شركات تصنيع الغذاء العالمية هي قوى جبارة سيطرت على طعامنا من أجل الربح والمصالح الاقتصادية، دون النظر إلى الصحة، هي أغذية ميتة محرومة من الحياة تزخر بالكيماويات وفقيرة بالفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية الأخرى، هذه النوعية من الأغذية قليلة النفع، حرمتنا من النشاط وأنهكت القوى وعجلت بعلامات الشيخوخة.

إننا اليوم في عصر الهيمنة والتوجيه من قِبل مصنعي الأغذية، غلبت فيه العادات السيئة حول الغذاء والتغذية ابتداءً من الملوثات الكيميائية إلى نوعية الطبخ ” إعداده وتحضيره” وطريقة تناوله، حدث خلل في هوية الغذاء ونوعيته بعد التدخلات التقنية الضارة والاستهتار، ووقعنا ضحاياه.

فهل يمكن لنا أن نتعامل ونتكيف مع الواقع بمعطياته!! وهل من الحكمة أن نقبل بتلك المزارع والمصانع ونحن نرى فيها بلاء لأجسامنا ومصدر أمراضنا !!

من المستحسن التوقف عن تناول الأطعمة المصنعة والتركيز على الأطعمة بصورتها الطبيعية، فهناك غذاء طيب أو سيئ، وطريقة الجمع بينهما هو نوع من العبث.

نحاول أن نتعود على أكل اللحوم الطازجة التي تُعلف بالحبوب والعشب الطبيعي في الهواء الطلق، ولا تُحقن بالهرمونات ولا المضادات الحيوية.

والاعتماد على الأغذية الطبيعية من مصادرها الزراعية مباشرة دون استعمال المواد الكيماوية، من أجل حماية أنفسنا من آثارها المدمرة على صحة الإنسان، وصنعت لنا حصناً للحياة، الوسيلة لتفادي غالبية أمراض العصر.

رحم الله أيام زمان كان طعامنا يمثل جزءاً من عاداتنا وقيمنا ، كان لذيذاً وطازجاً وصحياً، لأن لنا بيتاً فيه امرأة محنكة تصنع بيداها ونفسَها ما يصعب صنعه في أفضل المطاعم “مطعم الأم” وهذا من فضل الله عز وجل، كانت تلك الأطعمة طيبة المذاق، حسنة، مطبوخة على نار هادئة، مغذية ومقوية ملأت أجوافنا لقيمات نظيفة وطازجة، ما كنا نتسمم أو نمرض وصحتنا أفضل، بخلاف ما ذهبت به ثقافة الأغذية المحفوظة والمعالجة.

من الطبيعي أن يلجأ الناس إلى ما يسمى الأغذية العضوية والتي تجيء من محاصيل زراعية لم يستخدم فيها أية معالجة صناعية، تلك الأغذية قد تزيل شيئا من موجات القلق التي اجتاحت العالم نتيجة تفشي أوبئة ومخاطر حصيلة التلاعب بالمعطيات الطبيعية.

فكروا قليلا، ألا تريدون أن تتغلبوا على الضعف وتتجنبوا الأمراض وتحتفظوا بالحيوية والنشاط، عوضاً عن أن تتكبدوا المصاريف الطائلة والمعاناة الطويلة في المستشفيات!! فأنواع الأطعمة كثيرة وأشكالها متنوعة بحيث يمكن استبعاد بعضها، اختيار الأحسن ورفض السيئ.

فجاذبية الطعام الطيب لا تزال قائمة، والساحة مفتوحة للغذاء الصحي المتنوع.

الغذاء الحي الغني بالفيتامينات والمعادن والعناصر الأخرى يكون من مصادره الطبيعية نأكلها مباشرة دون تدخل التقنية الحديثة أو الطبخ الجائر، وبعيداً عن التجاوزات والمعالجات الصناعية.

شيء غريب وخاطئ، شركات تصنيع الأغذية يحاولون طمأنتنا بأن نوعية الأغذية قد تطورت، والحقيقة هي سلكت خلاف حب البقاء ، لقد سئم الناس من هكذا شركات تحمل سموماً في منتجاتها، والعودة إلى أكل الطيبات “الأغذية الطبيعية والحيوية” لتفادي كل تلك الشرور.

هل هذا هو الثمن الواجب دفعه لتعزيز الصورة الواقعية لسلبيات التقنية في صناعة الغذاء؟

نعم جيلنا يدفع الثمن بعد أن نعمت أجيال سابقة بكنوز غذائية لم تدخل إليها المواد المصنعة والملوثات.

تخلينا نحن جيل اليوم عن تلك الكنوز التي تمتع بها آباؤنا وأجدادنا، وطرنا وراء التقنيات الضارة، تنازلنا عن الأغذية الطبيعية الحية وانغمسنا في مستنقع التجاوزات، فقدنا التوازن وصار غذاؤنا داءنا والأمراض تلاحقنا وتهدد حياتنا.

أياً كانت الأسباب فإن الدافع لثمن التقنية هو الإنسان نفسه. .

وختاماً بقيت صحة جسم الإنسان الناطق الأصدق والمقياس الأدق في تمييز النافع من المضر .

إننا في حاجة إلى دور إيجابي متفهم واعٍ وإلمام بجوانب الغذاء، وهو يشكل تحدياً في عصرنا الحالي في ظل محاولة تفادي الكثير من النتائج السلبية الضارة من أجل تحسين مستقبل الإنسانية، وسنجد في الأغذية الطبيعية والكاملة الرضا والارتياح، ونتجنب الأطعمة المحرومة من الحياة الضارة بالصحة.

اسعوا لتكونوا أقوياء وتضيفوا لأجسامكم حيوية ونشاطًا.

لا تسأل عما هو مناسب للأكل وما هو غير مناسب، ما كنا نعتقد بالأمس أصبح واضحاً اليوم، فكل شيء تم طرحه والصحة بيد الله عز وجل.

إننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل

منصور الصلبوخ
أختصاصي تغذية وملوثات


error: المحتوي محمي