من العوامية.. المبيوق: أستاذ «البحرين» حرمها دراستها وأكبر عيادات أمريكا تعينها مدربة

«قصتي بدأت في الأسبوع الذي قررت فيه أن أترك دراستي في البحرين، وأن أغير وجهتي ومساري إلى مكان أستطيع فيه صرف طاقاتي وجهدي».. حديثها لم يكن عن رحلة من وجهة إلى أخرى، أو من تخصص إلى آخر، بل هو الحديث عن انتقال تام، تحول مختلف، إنه الحديث عن أن تترك دراستك الجامعية وتغادر وطنك وأسرتك ولغتك ومجتمعًا اعتدت كل شيء فيه، لتجد نفسك وسط غربة تفاصيلها جميعها لا تشبه ما كنت تعيشه، إلا أنها تهديك وظيفةً في واحد من أكبر مستشفيات العالم.

ترى هل كانت جنان جعفر المبيوق تقرأ طالعها ذاك، أم أنها تكهنت بالغيب، حتى تتخذ خطوة يجد البعض صعوبة كبيرة في الإقدام عليها، فقد وجدت نفسها تستخير في ترك دراستها الجامعية من جامعة الخليج العربي بالبحرين بعد مضي ثلاث سنوات من ذلك المشوار، ليتم بعدها اختيارها كمدربة ومحاضرة معتمدة في الطب النووي بعيادات المايو الأمريكية!

في حديثها لـ «القطيف اليوم»، قالت المبيوق: «بدأت دراستي في البحرين بعد أن أنهيت دراستي الثانوية، وفي منتصف الطريق بالسنة الثالثة قررت أن هذه هي نهاية مشواري في البحرين».

وأضافت: «رحلتي في دراسة الطب بجامعة الخليج العربي كانت تجربة جميلة جدًا، تعلمت منها الكثير، حتى بعد أن اضطررتُ لترك دراستي بسبب سلوك أحد الأساتذة، وحاولت مراجعة المسؤولين لأشرح لهم سلوكه، إلا أنه لم يتم استقبالي، أو حتى الاستماع لي، لم أندم على تجربتي تلك أبدًا، لأنها بداية لجسر نجاحاتي الحمد لله، فقد تعلمت منها أن أعتمد على نفسي في أشياء كثيرة، كما تعرفت على معادن الناس وخلقت تعارفًا مع الكثيرين».

وتابعت: «كنت دائمًا أذكر نفسي أن التوفيق من الله وأن مكاني ما كان هناك، فقد مررت بظروف خلال الدراسة هناك، لا أحب دائمًا الإفصاح عنها، فالكلام الكثير لا ينفع، وقناعتي أن الاجتهاد هو سبيل الوصول».

قرارٌ جاء بعد الاستخارة، بحسب قولها، وبعد قناعة وتفكير مطول أنه القرار السليم، قرارها رافقه قرار من زوجها في أن يترك عمله وينتقل معها، ليواجه الزوجان مصيرًا مجهولًا، كلوحة بيضاء لا يعرفان ما سيرسم داخلها، فقط أطَّراها بطموحهما.

بدأت «جنان» مرحلة جديدة، كانت تحاول أن تنقل بعثتها من البحرين إلى أمريكا، إلا أنها كانت تصطدم بجدار يشبه المستحيل، وبعد عام أخذت تقتنع أنه المستحيل ذاته وليس شيئًا يشبهه.

فجأة بدأ ذلك الجدار يتهدم، بعد أن حصل زوجها على البعثة إلى أمريكا، فكان هذا الحدث بداية الابتسامة لحياة الزوجين، وقد وجدا فيها معينًا ومساعدًا لهما، تقول: «ساعدنا قبول زوجي في البعثة ولكن لفترة بسيطة، لأن رسوم الجامعة كانت تدفع له فقط، والجامعة مكلفة جدًا، لكن الله سبحانه وتعالى لا يترك أحدًا، ولأن وجود الأهل عزوة، والوالدان دائمًا يسعيان لأن يكون أولادهما الأفضل، فإن أمي وأبي، وحتى أختي، لم يتركوني أصارع ذلك كله وحدي».

وجدت «المبيوق» طريق دراستها يُرصف بمساعدات والديها وأختها في تكاليف الجامعة، ولأنها لم تعتد الاتكالية المطلقة في حياتها؛ لم تقبل اعتمادها الكلي على أهلها في كل شيء، أحبت أن تساهم في بناء مستقبلها بشيء من يديها، فبدأت تبحث عن وظيفة تعينها، وواصلت حياتها بين الدراسة والوظيفة في ذات الوقت دون أن يتأثر مستواها.

تتحدث جنان عن تلك المرحلة قائلةً: «عملت ودرست في آن واحد، ولأن لكل مجتهد نصيبًا تسهلت أموري ودرجاتي ولله الحمد كانت عالية، فحصلت على إعانة من الجامعة لتغطية جزء من تكاليف رسومها».

وتضيف: «بعد طول انتظار وبعد رحلات عديدة للرياض ومتابعة من والدي حفظه الله ومتابعة مني هنا في أمريكا مع الملحقية، حصلت على البعثة، وكنت حينها بدأت أدرس التخصص، وقد كانت درجاتي ولله الحمد عالية، فكنت أحصل على مكافآت التفوق ومكآفات الجامعة».

وتكمل: «بعد التخرج مباشرة حصلت على البورد الأمريكي وباشرت العمل في آيوا، والآن أعمل في مايو كلينك، وهو يعتبر من أفضل وأكبر مستشفيات العالم».

لم يكن حصولها على وظيفة في «مايو كلينك» أمرًا سهلًا ومتاحًا أمام الجميع، تقول: «حيث أعمل حاليًا نادرًا ما تكون لديهم وظائف شاغرة، وحين قدمت على الوظيفة كان معي 40 منافسًا للحصول عليها، إلا أن الله كان سندي دائمًا ولم يخيبني، فقد تم اختياري لها».

التوفيق كان حليف «جنان» في خطواتها بأرض الغربة، فبعد قبولها في الوظيفة، اختيرت كمدربة ومحاضرة معتمدة للطلاب والموظفين في مجال الطب النووي في عيادات المايو الأمريكية.

وعن طبيعة هذا الاختيار قالت: «بالنسبة لتدريس الطلاب وتدريب الموظفين الجدد، فإن ذلك يأتي على حسب الكفاءات، فالمسؤولون يقومون باختيار من يرونه مناسبًا وكفؤًا لتخريج طلابهم».

وفي ختام حديثها مع «القطيف اليوم»، توجهت «المبيوق» بكلمات الشكر لزوجها، معتبرةً تركه لعمله ومرافقتها في مشوارها بصمة كبيرة لا يمكن أن تنساها، كما أنها كانت مسؤولية كبيرة جدًا بالنسبة لها -حسب وصفها-، ولم تنسَ دور والديها وأختها ومساعدتهم لها في اتخاذ القرار وثقتهم في قدراتها.

ووجهت كلمة لكل من يملك طموحًا قائلة: «إن أحلام الإنسان لا تتحقق دون أهداف، والأحلام والأهداف قد يواجهها الكثير من المعوقات والعراقيل، لكن في كل مرة لابد أن يحاول الإنسان الصمود والتغلب، وألا يترك لليأس مجالًا، فالحياة تتسع لكل المواهب والقدرات».

وأضافت: «أحب أن أقول إن العائلة وجودها مهم كدافع وحافز، فأنا أعتبر عائلتي؛ والدي ووالدتي وأختي وإخواني وزوجي وابني، جزءًا كبيرًا من نجاحي، فقد كانوا دافعًا قويًا لأن أواصل مشواري».

«المبيوق» في سطور:
تخرجت جنان المبيوق، المنحدرة من بلدة العوامية، في جامعة university of Iowa بمرتبة الشرف الأولى، وعملت في عيادات آيوا لمدة سنتين، وتعمل حاليًا في عيادات المايو mayo clinic، وتم اختيارها لتميزها التعليمي والمهني كمدربة ومحاضرة معتمدة في قسم الطب النووي، كما تقوم بتدريب الموظفين في مجالات مختلفة في الطب النووي، وعينت كباحثة معتمدة في مجالها أيضًا، وعملت ولا تزال تعمل على الأبحاث التالية:
– استخدام النظائر المشعة لدراسة مرض الزهايمر في التشخيص وكيفية تطوره.
– العجز في الوظائف التعبيرية: تصنيف طلاقة التعبير.
– دراسة أورام المخ وتمييزها، ودراسة الأنسجة التالفة التي تعرضت للعلاج أو استخدام الأشعة.
– دراسة سرطان البروستاتا وتحديد الأكثر تقبلًا للعلاج بالأشعة.
– دراسة داء الساركويد، وهز مرض مناعي مجهول السبب يظهر على هيئة مجموعات غير طبيعية من الخلايا الالتهابية، حيث يتم استخدام بعض النظائر المشعة لتسهيل عملية الفحص والمسح للمصابين بالسكر.
– علاج أورام gastroentro pancreatic endocrine tumors الذي تم اعتماده من إدارة وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية قبل أشهر في عيادات المايو، وأظهرت النتائج نجاح العلاج على المصابين بنسبة عالية.
ـ كما تقوم «المبيوق» بأعمال الطب النووي الاعتيادية للقلب، والدراسات العليا والصيدلة.